نشر بتاريخ: 2026/10/27 ( آخر تحديث: 2026/10/27 الساعة: 15:20 )
مهند عبد الحميد

هـل يـسـقـط نـتـنـيـاهـو؟

نشر بتاريخ: 2026/10/27 (آخر تحديث: 2026/10/27 الساعة: 15:20)

يدلي الناخبون الإسرائيليون بأصواتهم، اليوم، في أكثر الانتخابات أهمية، لا لأنها ستُحدث انقلاباً نوعياً في نظام الحكم الإسرائيلي أو تغيّر من طبيعة إسرائيل، بل لأنها تحتمل إسقاط أكثر الحكومات توحشاً وخطراً على الشعب الفلسطيني أولاً وعلى شعوب الإقليم والعلاقات الدولية وعلى المجتمع الإسرائيلي. في هذه الانتخابات إذا انطلق الناخب الإسرائيلي من حصاد أربع سنوات لحكم نتنياهو وهو الطور الكاهاني سيجد:

1- أن حكومة نتنياهو الكاهانية زجّته في أتون حروب بلا نهاية كونها تعتمد أهدافاً فائضة عن احتمال دول الإقليم وشعوبه وعن احتمال النظام الدولي، كاحتلال مناطق واسعة في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية وتدمير عمرانها وتهجير سكانها وتحويلها إلى معازل أمنية أو ضمّها، والعمل على إسقاط أنظمة ومنظمات، وشطب الشعب الفلسطيني من الخارطة، وإعادة صياغة شرق أوسط جديد تحت الجزمة الإسرائيلية، وتحويل إسرائيل إلى «إسبرطة خارقة».

2- أن هذه الحكومة قطعت شوطاً في انقلاب قضائي يطال المحكمة العليا وهيئة الرقابة ويطال أجهزة الأمن والشرطة والجيش والإعلام، وما يعنيه ذلك من إخضاع الدولة للسلطة التنفيذية بعد إفلاتها من الرقابة والمحاسبة، وانتزاعها لصلاحيات السلطتين القضائية والتشريعية، والمسّ بالحريات العامة والفردية وبالديمقراطية. والانتقال إلى نظام ثيوقراطي غير ديمقراطي يزيل احتكار إسرائيل للديمقراطية بوصفها النظام الديمقراطي الوحيد في المنطقة.

3- أن سياسات هذه الحكومة المتطرفة جلبت العزلة والنبذ والعقوبات لدولة إسرائيل وللإسرائيليين. بدأ التحول في المؤسسات الدولية كالمحاكم والمنظمات الحقوقية، وانتقل إلى المجتمعات المدنية العالمية التي ناهضت الاحتلال وحرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير التي تتبعها حكومة نتنياهو. وأخيراً وصلت إلى الحكومات التي بدأت باعتماد أشكال من المقاطعة والعقوبات وممارسة ضغوط متصاعدة سيدفع المجتمع الإسرائيلي ونخبه الثقافية والفنية ثمنها.

يتوفر إسرائيليون لهم مصلحة في إعادة انتخاب نتنياهو ومعسكره في هذا اليوم، إنهم من أصحاب المصالح السابقة والمستحدثة في نهب وسلب الأرض والممتلكات والموارد الفلسطينية، وفي كبح أي نمو اقتصادي اجتماعي سياسي فلسطيني، وتفكيك الكيانية الفلسطينية، ورفض الحل الدولي والعربي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتحويل الصراع من صراع قومي إلى صراع ديني، والذي يصب في هدف استبدال شعب بآخر من خلال التهجير والطرد. هؤلاء تعبّر عنهم أحزاب دينية وقومية ومنظمات استيطانية وجماعات الهيكل ونخب عسكرية وأمنية ومعاهد دينية ومؤسسات دولة.

يلاحظ أن العامل الفلسطيني هو جوهر المأزق الإسرائيلي الذي عبّر عنه نتنياهو بشكل فاقع بالقول: إن كل من يدعم نهجاً آخر غير نهجه يمثل فلسطين أو يؤدي إلى دولة فلسطينية»، المأزق الذي يتشارك فيه المعسكران اللذان يتقاطعان في مناهضة الحل الدولي للصراع وتحديداً في رفض إقامة دولة فلسطينية، وفي دعم الاستيطان والسيطرة الأمنية على قطاع غزة والضفة الغربية، وعدم التشارك مع القوائم العربية في تشكيل الحكومة الجديدة وقبولهما بتهميش 20% من مواطني الدولة وممارسة التمييز ضدهما.

يقول د. مايكل ميلشتاين من مركز أبحاث موشي ديان في جامعة تل أبيب: تمارس إسرائيل ضماً تدريجياً للضفة الغربية، وتتبع سياسات هدفها إسقاط السلطة الفلسطينية وترفض أي تسوية دبلوماسية ذات مغزى، وترعى العنف غير المسبوق الذي يمارسه متطرفون يهود مدفوعين بنزعة قومية متطرفة ومعتقدات مسيانية. ويضيف: إن ما تسمى ثورة الاستيطان هي مشروع سياسي مركزي للوزير سموتريتش «خطة الحسم» أصبح مفروضاً على الأغلبية كمشروع يحظى بإجماع شعبي بزعم أنه يحمي البلاد بأكملها ويتفادى هجوم 7 أكتوبر جديد. ويختم ميلشتاين بالقول: «لا يمكن لدولة حديثة أن تعمل في القرن الـ21 بثورة استيطانية وتطلعات للخلاص الديني وإعادة بناء الهيكل وتكون الشريعة التوراتية في صميم مشروعها الوطني».

اليوم، سيصوّت الإسرائيليون على مشروع نتنياهو ومعسكره، وسيصوتون على مشروع المعارضة وهو المشروع نفسه مع تباينات في الدرجة والحدة والإخراج وتقديم صيغ تتفادى ردود الفعل الدولية الذي تقدمه المعارضة.

تأتي الانتخابات لحظة احتدام الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يتصدر الحل الفاشي أو «خطة الحسم» الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي، في الوقت الذي انطفأ فيه خطاب «حماس» ومحور المقاومة، وفي الوقت الذي تغيب فيه الأسئلة والسجال بين من يعتقدون بضرورة تطبيق الحل الدولي للصراع داخل قطبَي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي مقدمة ذلك اعتماد مرجعيات:

أولاً: مرجعية حل الصراع هي مواثيق وأنظمة وقوانين الأمم المتحدة وإنجازات علوم الآثار وأبحاث تاريخية محكمة ونظريات عصرية في بحث الأمة والقومية وآراء مفكرين وخبراء.. ولا يمكن اعتماد ميثات وأساطير دينية والتعامل معها كمسلّمات غير قابلة للنقاش، والقول إن بني إسرائيل أتوا إلى أرض الميعاد بموجب أمر إلهي وذهبوا إلى المنفى على يد غزاة ثم عادوا، وهم الآن يخوضون صراعاً لطرد ذرية الغزاة العرب.

الآن يقوم مستوطنون إرهابيون بطرد المواطنين الفلسطينيين من أرضهم، ويصادرون مزروعاتهم وأغنامهم، يفعلون ذلك على قاعدة أن الفلسطينيين يحتلون جزءاً من أرض إسرائيل، والمستوطنون يحررون أرضهم، وينهبون أملاك الفلسطينيين كتعويض. ما يحدث ليس موقفاً فردياً لمجموعة أصولية متعصبة دينياً، بل هو موقف رسمي وثقافة مجتمع يتبناهما رئيس الحكومة ووزيرا الدفاع والخارجية ومندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، عندما ينفون صفة الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية، وقد كرّس قانون القومية المعتقد الديني كمرجعية وحيدة عندما اعتبر أن الحق الحصري لتقرير المصير في «أرض إسرائيل التاريخية» أرض فلسطين التاريخية هي للشعب اليهودي وحده. هذا المفهوم الأيديولوجي الذي لا مثيل له في القرن الـ21 إلا ضمن المجموعات والأحزاب الدينية المتعصبة المتطرفة الإسلامية والمسيحية واليهودية الذي يعتبر طرحها مرفوضاً وتوضع خارج القانون كما جرى التعامل مع القاعدة وداعش وكاهانا وغيرها.

إن اعتماد الأيديولوجيا مرجعية يعني إغلاق الأبواب أمام أي حل سياسي، واعتماد حل ديني واحد بالقوة، ويعني وقف العمل بمنظومة المواثيق والأنظمة والقوانين، يعني حرباً دينية مفتوحة بين شعوب المنطقة. لقد اعترفت الأمم المتحدة بإسرائيل استناداً لميثاق الأمم المتحدة وليس استناداً لمعتقداتها الدينية وأساطير وميثات.

خلاصة القول: دون اعتماد أحزاب وقوى إسرائيلية للمرجعية المعتمدة من كل شعوب العالم لا يمكن حل الصراع، بل سيكون مرشحاً لتعميم المعتقد الديني كما تعامل وزير الخارجية الإسرائيلي مع أرض الجولان باعتبارها كانت ممراً للنبي موسى وغداً ستمتد الأرض الموعودة من الفرات إلى النيل التي ذكّرنا بها السفير الأميركي في إسرائيل. يبقى القول: إن الأهم من سقوط نتنياهو ومعسكره هو تراجع ثقافة الاحتلال والحرب والأبارتهايد والتعصب الديني.