نشر بتاريخ: 2026/10/26 ( آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 15:11 )
طلال عوكل

ماذا على الفلسطيني أن يفعل؟

نشر بتاريخ: 2026/10/26 (آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 15:11)

تثير عملية الخليل التي وقعت صباح الجمعة جملة من الأسئلة التي ينبغي أن تجد لها إجابات من قبل أهل العقد والحل.

العملية التي أسفرت عن مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين واستشهاد منفذيها، بددت صمتاً طويلاً من الالتزام الفلسطيني في الضفة الغربية بعدم استخدام السلاح في مقاومة جرائم الاحتلال ومستوطنيه التي تتواصل على نحو خطير.

العملية بحذ ذاتها تؤشر على أن الشعب الفلسطيني ومقاومته يمتلكان إمكانيات كبيرة لردع التغول الاسرائيلي، فالعملية متقنة ومخطط لها جيداً، حيث استهدفت جنوداً واستمرت عشرين دقيقة، من الاشتباك الكثيف.

لا يستطيع الاحتلال الادعاء بأن المقاومين الفلسطينيين استهدفا مدنيين وأطفالاً أو نساء في الضفة الغربية التي تقع تحت طائلة إرهاب المستوطنين وبمشاركة وحماية الجيش.

ثمة من سيقول بما في ذلك من الفلسطينيين إن العملية قدمت لإسرائيل ذريعة قوية لتصعيد عدوانها، بينما كانت السلطة والفصائل عموماً تمارس انضباطاً، يعتمد سياسة سحب الذرائع من قبل الاحتلال، حتى لا يكرر ما فعله ويفعله في قطاع غزة.

خلال فترة طويلة، تسبق السنوات الثلاث الأخيرة منذ طوفان الأقصى، والقيادة الفلسطينية تجتهد في ضبط ردود الفعل الفلسطينية إزاء ما تواصل إسرائيل ارتكابه من جرائم، وهو أمر مفهوم أو يمكن تفهمه، غير أن السؤال هو هل كان الوضع هادئاً أو مقبولاً بالحد الأدنى، قبل العملية، حتى يتحمل من قام بها المسؤولية عن التصعيد الذي أعلن عنه نتنياهو وفريقه اليميني المتطرف؟

وهل فعلاً كانت دوائر الحرب الإسرائيلية تنتظر ذريعة لارتكاب ما تقوم به من مجازر وتطهير عرقي، أم أن ما تقوم به يقع ضمن مخطط منهجي لا ينتظر أسباباً أو ذرائع، لكونه يعود في الأساس إلى مخططات تعمل على تحقيق أهداف واضحة؟

المخطط الإسرائيلي الذي يحاول استغلال وجود رئيس في الولايات المتحدة، مثل ترامب، لا يعمل على تغيير الميزان الديموغرافي كما يدعي البعض، بل هو يستهدف مسح الديمغرافيا الفلسطينية وطرد الفلسطينيين خارج أرضهم، أو ليست هذه هي الأهداف التي أعلن عنها مراراً نتنياهو وفريقه منذ أن وقع الطوفان، وتبنتها إدارة الرئيس ترامب؟

الكل يعلم يقيناً أن إسرائيل تسعى بكل طريقة، لطرد الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، ومن الضفة إلى شرق الأردن، وأن الموقفين المصري والأردني بالإضافة إلى صمود الشعب الفلسطيني من أفشل هذا المخطط حتى الآن.

سيدين البعض العملية التي وقعت في الخليل، ويدين بعض آخر سياسة سحب الذرائع وعدم تفعيل المقاومة في الضفة انتصاراً لغزة، ولوقف اعتداءات المستوطنين والجيش على الفلسطينيين الذين يتعرضون للتطهير العرقي، وسرقة الأرض، والزرع والبيت وتخريب ومصادرة الممتلكات في الضفة الغربية.

السؤال: ماذا على الفلسطينيين أن يفعلوا في مواجهة احتلال بشع لا يعترف بأنه محتل، ولا يعترف بأدنى الحقوق للفلسطينيين وحتى أنه ينفي وجود شعب اسمه الفلسطيني؟

قبل العملية، كانت السياسة الرسمية الإسرائيلية قد بررت الاعتداء على وفد قنصلي أوروبي وعلى صحافية أميركية، ثم احتجاز نحو ثمانين متضامناً أجنبياً من بينهم مرشح ديمقراطي للانتخابات النصفية، وقبل العملية شنت ميليشيات المستوطنين بحماية الجيش حرباً على موسم قطاف الزيتون، من سرقة المحصول إلى الاعتداء على المواطنين واقتلاع وحرق أشجار عمرها أطول من عمر دولة إسرائيل.

وقبل العملية تتبجح الرسمية الإسرائيلية بما تسميه القضاء على بؤر الإرهاب في مخيمات شمال الضفة الغربية وقامت بتدمير البيوت والبنية التحتية، وتهجير عشرات الآلاف داخل وطنهم.

وقبل العملية مارست إسرائيل القرصنة على أموال الفلسطينيين، وأدخلت السلطة في أزمة لا يبدو أن ثمة إمكانية لتجاوزها، بعد أن بلغت الديون ثلاثة عشر مليار دولار، ووضعت اقتصاد الضفة أمام حالة تقترب من الانهيار.

وقبل العملية لم تتوقف الاعتقالات، والاغتيالات، وممارسة التنكيل بالأسرى الفلسطينيين، الذين ازدحمت بهم السجون، وقتل منهم العشرات تحت التعذيب وبسب الإهمال الطبي.

ماذا على الفلسطيني أن يفعل؟ صدقاً لا أحاول أن اخترع تبريراً للمقاومة المسلحة، بما في ذلك عملية الخليل؟

لقد استنفدت القيادة الفلسطينية كل عبارات الإدانة، والتحذير والمناشدة، ومطالبة المجتمع الدولي بتأمين الحماية للشعب الفلسطيني، لكن المجتمع الدولي محكوم لمعادلة الفيتو الأميركي، الأمتان العربية والإسلامية، في حال لا تسر صديقاً ولا تكيد عدواً، وهما إن كانتا توصفان يوماً بالتخاذل فإنهما اليوم تعانيان من انقسامات وحروب واستنزاف وتهديدات حقيقية لأمنهما القومي وحتى الوطني.

الفلسطينيون لم يدخروا جهداً في التوجه إلى العدالة الدولية لكن الولايات المتحدة وقفت لهم بالمرصاد، حيث جردت حرباً على الجنائية الدولية وقضاتها، وعلى كل فرد أو مؤسسة حاول التوجه إلى الجنائية الدولية، حتى بدت هذه شبه عاجزة، وتحتاج إلى من يدافع عنها، في زمن انهيار نظام القانون ومؤسساته وتراجع دور الأمم المتحدة عن نصرة المظلومين، وعن الدفاع عن قراراتها، تواصل إسرائيل، مدعومة من قبل الولايات المتحدة الترامبية ارتكاب أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

فيما يواصل المجتمع الدولي إصدار البيانات والتحذيرات والتلويح ببعض العقوبات غير الرادعة، العملية وقعت في الخليل ولكن ردود الفعل الإسرائيلية تجاوزت المكان إلى معظم أنحاء الضفة الغربية، ويتحدث نتنياهو عن عملية غير مسبوقة منذ 1967، ورفاقه يطالبون بتفكيك السلطة والقضاء عليها فماذا على الفلسطيني أن يفعل أكثر أو غير ما فعله؟