نتنياهو والتهديدات والهدف
طلال عوكل
نتنياهو والتهديدات والهدف
عاد رئيس حكومة الاحتلال، إلى تل أبيب محبطا في ختام أقصر زيارة للولايات المتحدة في تاريخ العلاقات بين الدولتين، وبعد أن لاحظ بعينيه العزلة التي وضعت إسرائيل نفسها فيها حتى من أقرب الحلفاء التقليديين التاريخيين.
وسبقت خطابه الموجه أساساً للإسرائيليين في الأمم المتحدة خطابات غير مسبوقة من قبل زعماء عرب ومسلمين وغربيين جاء معظمها مندداً بالسياسات الإسرائيلية، ولكنه كعادته رد على الجميع بعنجهية وغطرسة، ستزيد الطين بلة على حكومته ودولته. لكنه واجه خيبة أمل غير مسبوقة من قبل الإدارة الأميركية، التي لم تتح له إجراء أي مقابلات رسمية، وهو الذي راهن على دعم الرئيس الأميركي له في الانتخابات وبدا وكأنه أصبح في نظر الإدارة الأميركية غير مقبول، ولا بد من رفع الغطاء عنه.
كان لافتاً أن التظاهرات الاحتجاجية ضده، قد ضمت أعداداً من اليهود الأميركيين الرافضين لفكرة أن إسرائيل تمثل يهود العالم، وشكلت مصدر إحباط ويأس وخيبة أمل لكنه لا يستسلم، هكذا هو شعار حزب الليكود في الانتخابات، بما يشير إلى أن نتنياهو وحزبه وائتلافه، بات في موقع دفاعي، أمام صفعات الأمر الواقع.
ثمة غرابة شديدة في طريقة تفكير نتنياهو لا تليق بزعيم يعتبر نفسه الأهم في تاريخ إسرائيل، وصاحب الفترة الأطول على الإطلاق في موقع رئيس الحكومة.
عاد نتنياهو إلى تل أبيب، ليأمر فريقه الأمني والقانوني بإعداد ملف لمقاضاة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو المتهم والملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
نتنياهو يدرك أنه يتعرض لعزلة شديدة تحاصره من كل حلفائه، فضلاً عن أعدائه، ومنافسيه حيث اجتمعت مؤشرات على أنه المسؤول عن الفشل الكبير الذي وقع في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.
مكالمة من رئيس دولة الإمارات كشفت عنها هآرتس، تشير إلى أنه تلقى تحذيرات مسبقة بأن حدثاً كبيراً سيقع، وتحذيرات أخرى كشف عنها تحقيق قناة الغد، وأخرى من قبل رئيس جهاز المخابرات المصرية عباس كامل ولكنه لم يأخذ كل هذه التحذيرات بعين الاعتبار.
ولا يغلق الملف عند هذا الحد، فقد أعلن رئيس الموساد السابق رونين بار أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كانت هي الأخرى قد حذرت نتنياهو، الذي سيواجه اتهامات أمام المحاكم الإسرائيلية، بسبب هذا الملف الذي سيسعى بار لتقديمه.
وبصرف النظر عن كل ما يشاع ويقال عن زيارة نتنياهو لدولة عربية ولقاءاته مع مسؤولين عرب كإشارة إلى أنه لا يزال قوياً وقادراً ويتمتع بعلاقات واسعة وتأثير كبير، إلا أن نتنياهو يدرك أكثر من غيره، أنه بات معزولاً، وغير مقبول، ولا بد من البحث عن بديل له.
زيارته السريعة للإمارات العربية التي كشفت عنها الصحافة الإسرائيلية كانت تستهدف إقناع رئيس الدولة محمد بن زايد، بنفي الأخبار التي تحدثت عن تحذيراته، لكنه لم يحصل على هذه البراءة.
لم تنفع نتنياهو وحزبه محاولات إصلاح أوضاع ائتلافه الذي يستهدف تقليص كمية الأصوات المحروقة، ولم تنفع محاولاته لاستمالة أطراف من المعارضة أو تقسيمها فقد قوبلت تلك المحاولة، باتفاق بين الكتل الخمس الرئيسة في المعارضة.
وفي محاولة لتعقيد المشهد السياسي أكثر، يقدم الائتلاف عبر بن غفير دعوى لاستبعاد القوائم العربية من المشاركة في الانتخابات، في حدث يعمق أزمة الديمقراطية الإسرائيلية التي قوضتها سياسة الحكومة الإسرائيلية في سياق تعميق العنصرية واستهداف خمس مواطني الدولة وهم الفلسطينيون.
هذا الإجراء يتوج حملة ممنهجة ضد الفلسطينيين في مناطق ١٩٤٨، الذين يواجهون ضغوطاً هائلة من التحريض على العنف مع إهمال قراهم ومدنهم ومصادرة أراضيهم.
إذا كان ثمة من لا يزال يعتقد أن السياسة الإسرائيلية بشأن التهجير للفلسطينيين تقتصر على غزة والضفة فهو واهم تماماً، فتلك ليست سوى البداية لترتيبات يعتقدون أنها ستصل في نهاية المطاف لطرد كل الفلسطينيين في كل أرض فلسطين التاريخية. والحال أن نتنياهو كالقط محشور في زاوية ضيقة ولذلك فإنه سيحاول بكل طريقة، إنقاذ نفسه وهو لا يزال يؤمن بأن ذلك هو السبيل لإنقاذ دولة إسرائيل وربما لإنقاذ الحضارة الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة، حتى لو كانت الطريقة الوحيدة تدمير المعبد بمن فيه.
لم تنفع كل محاولاته للحد من التدهور في مكانة الليكود حسب استطلاعات الرأي، ولذلك فإنه يلجأ إلى خلط الأوراق وإرباك المشهد في الإقليم، حتى لو أن ذلك غير مقبول لحلفائه الأميركيين.
يقول نتنياهو إن لديه مؤشرات على وقوع هجمات محتملة ضد إسرائيل قبل الانتخابات، وبلغة صريحة يؤكد أن أعداء إسرائيل يحاولون مهاجمتها، حين تقرأ المشهد في المنطقة لا تعثر على مثل هذه المؤشرات، فإيران، توقفت عن قصف إسرائيل منذ أشهر، والحوثيون كذلك، وكذلك الحال حزب الله، كما أن حال الفلسطينيين واضح في هذا الاتجاه، فمن أين سيأتي التهديد؟ الأرجح أن هدف نتنياهو تأجيل الانتخابات وإطالة عمر الحكومة.