نشر بتاريخ: 2026/08/07 ( آخر تحديث: 2026/08/07 الساعة: 18:41 )
كتب: حنفي أبو سعدة

موت وأكثر..

نشر بتاريخ: 2026/08/07 (آخر تحديث: 2026/08/07 الساعة: 18:41)

الكوفية  

دعوني أستسلم لهذا الموت إن كان لا مفر منه. هكذا برّر بعض المرضى في عواصم العالم طلبهم الموت الرحيم، وصار الموت أمنية وقضية حقٍ للمُعَذَبين أمام القضاء و العدالة، وبعضهم اختار الانتحار موتاً رحيماً او رسالة احتجاج. 

يا ويلاه يا غزة حين لا يكفّ الموت عن تعذيبك! هنا الموت ليس حق ولا عدالة ولا فراقاً مؤلما أو وداعاً قاسياً، هنا الموت أجسادٌ تُدفن في قبورها بالتّقسيط، حدثني صديقي الصحفي عن شاب بُترت ساقاه، فقام أهله بدفن الساقين في قبر، وصار صاحب الساقين يزور قبره كل أسبوع، لا يقرأ نصف فاتحة لنصف جسد أو نصف قبر، بل يودع دعاءه لنفسه بالرحمة على رف خشبي في قبو قبره.

مئة وثلاثون شهيداً من عائلتي الحساينة وأبو شريعة، جنازة مهيبة تقدمها رفات ضمير أبكم، عائلات قضت تحت ركام منازلها، ربما بعضهم قضى يوماً أو يومين وحده تحت الأنقاض يصرخ في وجه سكون داكن أسود، وبعضهم تناثرت أشلاؤه على أغصان شجرة أو في شق جدار، أو في جوف قط جائع.

مئة واثنتا عشرة حياة مضت تم انتشال أصحابها بعد ثلاث سنوات من تحت الركام، وأجساد أخرى أغلقت قضيتها تحت بند المجهول ولم يغلق ملف وداعها.

نصف جسد، وبقايا يدين لجسدين شقيقين تحالفا على البقاء حتى الموت. في غزة دُفنت الأجساد بلحم محترق: رأس أحمد وقدم يوسف وقلب جارتهم العجوز وحذاء الطفلة سندس ذات الأعوام الخمسة في قبر واحد. قبور بأنصاف أجساد، وأرصفة فيها بقايا الراحلين بلا شواهد.

بعد ثلاث سنوات يُعاد فتح جرح القلب والفقد. جنازات مؤجلة على قائمة الإنتظار، وآخرون ينبشون الثرى آملين أن يجدوا بقايا رفات أحبتهم بعد يوم أو عام. قبور بلا شواهد، وقبور مفتوحة تنتظر روادها، وأشلاء في الطرقات تنتظر مقابرها، ولا يزال صديقي الحي يزور قبره ويقرأ الفاتحة على نصف جسده الراحل.

لم يعد الموت فراقا ولم يكن يوما رحيماً، ولا محطة غياب أو مفترق رحيل أبدي، بل أمسى الموت ذاته رحلة موت لا تنتهي. فمتى يكفّ هذا الموت عن موتنا؟