"أقنان البلاط" أم مشروع الإمبراطورية؟ كيف أعادت واشنطن إسرائيل إلى حجمها الطبيعي؟
"أقنان البلاط" أم مشروع الإمبراطورية؟ كيف أعادت واشنطن إسرائيل إلى حجمها الطبيعي؟
الكوفية لم يكن ما جرى خلال الأيام الأخيرة مجرد جولة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، بل بدا أقرب إلى لحظة كاشفة أعادت رسم حدود القوة والنفوذ في المنطقة. فمن جهة، تتحدث تسريبات وتصريحات منسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق إطاري وشيك مع إيران يختلف جذرياً عن اتفاق 2015، ومن جهة أخرى تكشف ردود الفعل الإسرائيلية عن قلق متزايد من أن نتائج الحرب قد قادت إلى واقع استراتيجي مختلف تماماً عما كانت تطمح إليه تل أبيب.
وبحسب ما نُقل عن ترامب، فإن الاتفاق المرتقب يركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي دون إعادة إنتاج نموذج الاتفاق السابق، لكنه يتجاوز الملف النووي إلى محاولة فرض تهدئة إقليمية أوسع. وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية؛ فالتسريبات المتكررة عن استياء أميركي من بعض التحركات الإسرائيلية تعكس حقيقة أن النقاش لم يعد يدور حول كيفية هزيمة إيران، بل حول من يملك حق تحديد توقيت الحرب وتوقيت نهايتها.
هذه الفكرة التقطها ميخائيل ميلشتاين في مقاله بـ"يديعوت أحرونوت" بعنوان "العودة إلى حجمنا الطبيعي"، حيث رأى أن أحداث الأيام الأخيرة كشفت حدود القوة الإسرائيلية الحقيقية، وأن واشنطن أصبحت الطرف الذي يحدد سقف التصعيد وسقف التسويات معاً. وبحسب هذا المنظور، فإن إسرائيل انتقلت من مرحلة الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر تقييداً، في وقت تتجه فيه واشنطن نحو تسويات تشمل إيران ولبنان وغزة حتى لو تعارضت مع الأهداف القصوى للحكومة الإسرائيلية.
أما التعبير الأكثر صراحة عن القلق الإسرائيلي فجاء من يوآف ليمور، كبير المحللين العسكريين في "إسرائيل اليوم"، الصحيفة المعروفة بقربها من دوائر اليمين الإسرائيلي إلى درجة يُطلق عليها أحياناً اسم "بيبيتون". فليمور يرى أن إسرائيل ربما انتصرت عسكرياً لكنها خسرت استراتيجياً، بينما خرجت إيران من الحرب وهي لا تزال تحتفظ بجوهر قوتها. فالنظام لم يسقط، والبرنامج النووي لم يُحسم نهائياً، ومشروع الصواريخ ما زال قائماً، ما يعني أن النتائج لم تتحول إلى تغيير استراتيجي حاسم.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية مع الصعود المتزايد لنائب الرئيس جي دي فانس داخل التيار الجمهوري، حيث لم يعد يُنظر إليه فقط كنائب للرئيس، بل كأحد أبرز المرشحين المحتملين لوراثة حركة "ماغا" مستقبلاً. وهذا التحول يعكس تغيراً أعمق داخل بنية القاعدة الجمهورية نفسها، إذ لم يعد المزاج السائد متحمساً للمغامرات العسكرية المفتوحة أو للحروب الطويلة، بل بات يميل أكثر إلى التركيز على الداخل الأميركي والاقتصاد ومواجهة الصين كأولوية استراتيجية.
بكلمات أخرى، فإن هذا التحول داخل التيار الجمهوري لا يفسر فقط توجهات دونالد ترامب، بل يشير إلى إعادة صياغة أوسع لأولويات السياسة الأميركية، حيث لم يعد الانخراط في الصراعات الإقليمية خياراً مركزياً، بل عبئاً سياسياً واستراتيجياً متزايداً داخل المشهد الداخلي الأميركي نفسه.
وفي الوقت نفسه، تتعرض إسرائيل لضغوط متزايدة من حلفائها الغربيين، في مؤشر على تحول أوسع في المزاج الأوروبي تجاهها. ففي بريطانيا، "ذات الجذور التاريخية الأقدم في دعم المشروع الصهيوني ثم إسرائيل"، يواجه كير ستارمر ضغطاً متنامياً داخل حزب العمال، فيما تبرز أسماء مثل ويس ستريتينغ وآندي بورنهام وإميلي ثورنبيري ضمن تيار يدعو إلى مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل واستخدام أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية أكثر فاعلية، في مؤشر على تحول أوسع في المزاج الأوروبي تجاهها.
وهنا يستحضر المرء ما كتبه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري عن "أقنان البلاط"، بوصفهم جماعات تستمد نفوذها من قربها من القوة الإمبراطورية الراعية أكثر مما تستمده من استقلالها الذاتي. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التوصيف، فإن التطورات الأخيرة تعيد طرح السؤال ذاته: هل اكتشفت إسرائيل أن حدود قوتها ما زالت مرهونة بإرادة واشنطن؟
وإذا كان يوآف ليمور يتحدث عن انتصار عسكري بلا ترجمة استراتيجية، فإن الجدل داخل إسرائيل لم يعد يتعلق بنتائج الحرب فقط، بل بطبيعة موقعها داخل المعادلة الإقليمية الجديدة التي تتشكل تحت المظلة الأميركية.
فكثير من المحللين وصناع القرار الذين انتقدوا أداء بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأخيرة يرون أن سلّم أولوياته يبدأ ببقائه السياسي، ثم بذاته وصورته وإرثه الشخصي، ثم بعائلته ودائرته الضيقة، بينما يأتي أمن إسرائيل في مرتبة لاحقة لا تقترب حتى من وزن الأولويات السابقة.
وعند تلك النقطة تحديداً، يصبح السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة كلها:
هل سيختار نتنياهو السير مع الواقع الجديد الذي ترسمه واشنطن، أم سيواصل مطاردة حلم القوة الإقليمية المطلقة؟
وهل سيقبل الإسرائيليون بما وصفته "يديعوت أحرونوت" بالعودة إلى حجمهم الطبيعي، أم أن حلم الإمبراطورية سيظل يراود نتنياهو حتى آخر لحظة؟
وبصيغة أبسط يفهمها الجميع في المنطقة: هل سيمشي نتنياهو بعقله هذه المرة... أم أن ترامب سيكسر له إياها؟