نصف الكرة الغربي خاصٌّ بنا… حين تتكلم التغريدة الأمريكية بلغة الهيمنة
بقلم: شريف الهركلي
نصف الكرة الغربي خاصٌّ بنا… حين تتكلم التغريدة الأمريكية بلغة الهيمنة
الكوفية في سطرٍ واحد، وبكلماتٍ محسوبة بدقة، أطلقت الخارجية الأمريكية تغريدة بدت للوهلة الأولى عابرة، لكنها في جوهرها بيان سياسي مكثّف، يعيد إلى الأذهان عقودًا طويلة من التفكير الإمبراطوري الأمريكي. تقول التغريدة: «نصف الكرة الغربي خاص بنا، والرئيس ترامب لن يسمح بالتهديدات». جملة قصيرة، لكنها محمّلة بتاريخٍ من السيطرة، ورسائل ردع، وإشارات إنذار للعالم.
لفهم هذه التغريدة، لا بد من تفكيك مفرداتها قبل تحليل سياقها. فـ«نصف الكرة الغربي» ليس مجرد توصيف جغرافي بريء، بل مصطلح سياسي يشمل القارتين الأميركيتين، من كندا شمالًا حتى أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، مرورًا بالبحر الكاريبي. وهو الفضاء الذي اعتادت الولايات المتحدة أن تعتبره مجالها الحيوي، أو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الفناء الخلفي».
أما عبارة «خاص بنا»، فهي بيت القصيد. هنا تنتقل اللغة من الوصف إلى الادعاء، ومن الجغرافيا إلى السيادة. هذه العبارة تحيي بوضوح مبدأ «مونرو» الذي أُعلن عام 1823، والقائم على رفض أي تدخل أو نفوذ أجنبي في شؤون الأمريكيتين. ورغم مرور أكثر من قرنين على هذا المبدأ، إلا أن التغريدة تؤكد أنه ما زال حيًا، وإن تبدلت لغته وأدواته.
ذكر الرئيس ترامب بالاسم لم يأتِ اعتباطًا. فترامب، بخطابه الحاد ونهجه القائم على القوة المباشرة، يمثل عودة إلى السياسة الخشنة، حيث تُقدَّم الرسائل بلغة التحذير لا المجاملة، وبمنطق الردع لا التفاهم. التغريدة تقول ضمنًا إن عهد المواربة الدبلوماسية قد انتهى، وإن أي اقتراب من هذا الإقليم سيُواجَه بحزم.
ورغم أن التغريدة لم تُسمِّ خصمًا بعينه، إلا أن الرسالة موجّهة بوضوح إلى قوى دولية صاعدة أو منافسة، كروسيا والصين وإيران، التي وسّعت حضورها السياسي أو الاقتصادي في بعض دول أمريكا اللاتينية. إنها رسالة استباقية مفادها أن واشنطن تراقب، ولن تسمح بإعادة تشكيل موازين النفوذ في محيطها القريب.
في المحصلة، هذه التغريدة ليست مجرد موقف إعلامي، بل إعلان سياسي يعكس عقلية الهيمنة المستمرة في السياسة الأمريكية. إنها تذكير بأن العالم، من منظور واشنطن، ما زال مقسّمًا إلى مناطق نفوذ، وأن السيادة، حين تتعارض مع المصالح الكبرى، تصبح محل نقاش لا مسلّمة.
هكذا، تختصر تغريدة واحدة رؤية كاملة: أمريكا ترى نفسها مركز الدائرة، وما حولها مجالًا يجب حمايته… ولو بالكلمات أولًا، وبالقوة إن لزم الأمر.