إيران تعالج ترامب على نار هادئة
نشر بتاريخ: 2026/11/03 (آخر تحديث: 2026/11/03 الساعة: 19:49)

ثمانية أشهر كاملة تفصل بين شن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على ايران، وبين إجراء الانتخابات النصفية، اليوم، ولم يكن احد يعتقد يوم شن الحرب، بأنها ستطول حتى هذا اليوم، أو أن تؤثر بشكل سلبي على حظوظ حزب ترامب في هذه الانتخابات، وبالتأكيد آخر من كان يتوقع هذا الأمر هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، وإلا لكان فكّر ألف مرة قبل أن يصدر قراره بناء على رغبة شريكه فيها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان قد راهن على سذاجة ترامب وقدرته على الإيقاع به، بعد أن فشل مرارا وتكرارا مع من سبقه من رؤساء أميركيين، كان آخرهم جو بايدن، بعد باراك أوباما، وربما جورج بوش الابن أيضا.

الحقيقة أن ترامب لم يوافق نتنياهو فورا على شن الحرب، وقد يكون التوقيت قد ساهم في اتخاذه ذلك القرار، رغم أن ترامب «مهووس» بالسير على الطريق المخالف للرؤساء الأميركيين السابقين، ولعل قراره بنقل سفارة بلاده خلال ولايته الأولى من تل أبيب الى القدس المحتلة خير دليل على ذلك، كذلك فإنه قد لوحظ بأن ترامب وهو في طريقه الى البيت الأبيض، وقبل أن يدخله فعليا، اقدم على سابقة الدفع بمستشاره ستيف ويتكوف، لوقف حرب الإبادة، وذلك في سياق ادعائه بأنه رجل سلام جاء ليطفئ الحروب، ولينال جائزة نوبل. لكنه حتى حزيران من العام 2025، ورغم انه تجاوز سلفه بايدن، بأن سمح لإسرائيل بمهاجمة ايران، إلا انه لم يتورط فيها، إلا حين ظن بأنه سيحسمها بضربة واحدة، ولذلك شارك في الليلة الأخيرة من حرب الإثني عشر يوما، حين قصف مفاعل فوردو، الذي كان منيعا على القوة العسكرية الإسرائيلية، ومن ثم اعلن وقف تلك الحرب مباشرة.

نريد القول، إن قرار المشاركة في شن الحرب على ايران، لم يتخذ بسرعة او في لحظة خاطفة من قبل ترامب، بل إنه أخذ وقته، وربما التوقيت ـــ كما أسلفنا ـــ ساهم في اتخاذه ذلك القرار الصعب، والذي كان مستحيلا على من سبقه من الرؤساء الأميركيين، وقد ساعد في ترجيح قرار ترامب بالحرب على ايران، ما حققته قوات النخبة الأميركية «دلتا» من نصر خاطف في فنزويلا، فاجتاحت النشوة ترامب، وظن بأنه يمكنه أن يحقق في ايران ما فعله في فنزويلا، رغم أنه لم يكن لديه وهم أن يحقق نصرا خاطفا وسريعا في ايران كما حدث في فنزويلا، فهو قال حين اطلق إشارة بدء الحرب، إن أمامها من أربعة الى ستة أسابيع، لتحقق أهدافها، ومن ثم ينتهي الأمر، أما على ماذا ينتهي الأمر، فهو قد قال، بإسقاط النظام، والحصول على يورانيوم ايران المخصب، وتفكيك قوتها الصاروخية، وقطع علاقتها بحلفائها الإقليميين، بل وأكثر من ذلك قال بقطع علاقاتها التجارية مع الصين، وكل هذا يدل على هدف أميركي جامع، وعلى هدف إسرائيلي جامع أيضا، ومتطابق الى حد كبير مع الهدف الأميركي.

وهذا يدل من ناحية أخرى على أن قرار الحرب الذي اتخذه ترامب جاء بعد إلحاح من قبل نتنياهو، لكن أميركا لم تحارب فقط من أجل إسرائيل، فترامب ظن بعد أن بات نفط فنزويلا في جيبه، بأن السطو على نفط ايران، مع التحكم بنفط الخليج كله، سيعني بأن أميركا باتت تتحكم بمعظم الطاقة العالمية، وبذلك تعيد الاستقرار لنظامها العالمي، وتحبط مسعى الصين وروسيا ودول أخرى لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، أما إسرائيل، فقد كان نتنياهو متيقنا تماما، بأنه لن يحقق النصر على غزة ولبنان، تماما وبشكل واضح، إلا بضرب ايران وتحطيم قوتها العسكرية والاقتصادية، ليقطع على الأقل تمويلها ودعمها لـ»حزب الله» و»حماس»، هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن إسقاط ايران يعني متابعة التطبيع وصولا للسعودية، وتنصيب إسرائيل كأعظم قوة في الشرق الأوسط، يمكنها أن تواصل إقامة المناطق الأمنية المحيطة بحدودها الحالية، في انتظار لحظة قد ترتبط بمواصلة الحرب على القوس السني، بما فيه تركيا، لاحتلال أراضٍ تعتبر ضمن حدود دولة إسرائيل الكبرى، التي يمكنها أن تكون احد أعمدة النظام العالمي متعدد الأقطاب.

المفاجأة كانت في اليوم التالي لشن الحرب على ايران، بعد أن سارت الحرب في يومها الأول ـــ نقصد أيامها الأولى عمليا ـــ كما كان مخططا، باغتيال المرشد الإيراني وعدد من قادة الدولة العسكريين والسياسيين وضرب مواقع البرنامج النووي، ومواقع تصنيع وإطلاق الصواريخ، وكان ذلك بالرد الإيراني السريع، وذلك في نفس ليلة السبت، وبعد ساعات قليلة فقط، من بدء الهجوم الأميركي/الإسرائيلي المشترك، وكانت دائرة الرد الإيراني واسعة بحيث إنها كانت مفاجئة لواشنطن حيث شملت كل القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، إضافة الى إسرائيل، وهكذا استمرت الحرب سجالا أربعين يوما، الى أن اعلن ترامب موافقته على هدنة أسبوعين في الثامن من نيسان، لفتح الباب أمام الوساطة الباكستانية ـــ القطرية، التي توصلت بعد اكثر من شهرين من ذلك التوقيت لما سمي وثيقة التفاهم، او وثيقة إسلام آباد، والتي اعتبرت انتصارا لإيران وليس العكس، نظرا لأنها تضمنت وقفا مؤقتا للحرب على كل الجبهات، وتأجيلا للبت في البرنامج النووي مدة ستين يوما يجري خلالها التفاوض حول ذلك البند، بعد أن يكون الطرفان قد نفذا البنود الخاصة بفتح مضيق هرمز، وبالإفراج عن أموال ايران المجمدة في البنوك الأميركية.

لكن ورغم أن ترامب احتفل بالتوقيع على تلك الوثيقة، إلا أن معارضة إسرائيل والعديد من أركان الإدارة الأميركية بمن فيهم وزيرا الخارجية والدفاع، دفعت ترامب للتنصل منها، وهو وقعها لأنه ظن بأنه يمكنه أن يخدع ايران مرة أخرى، بتوقيع تلك الوثيقة، لأنه اعتقد بأنه مجرد توقيعها، ستسارع ايران لفتح هرمز، فيما ستمتنع أميركا لاحقا عن الافراج عن الأموال الإيرانية، او الإعلان عن وقف الحرب رسميا، المهم هو أن حرفا واحدا لم ينفذ من الوثيقة، وهكذا بقي الحال سجالا، لكن مع فقط عمليات عسكرية متقطعة، لم ترتقِ لمستوى مواصلة الحرب، الى أن تراجع ترامب عن كل أهدافه المعلنة عند بدء الحرب، واكتفى بفتح مضيق هرمز، وانتقل من زاوية شن الحرب بشكل مباغت، الى التهديد بها، ومن ثم بعد أن قويت شوكة ايران في المواجهة وبدأت بتصعيد شروطها، وصولا الى رفض التفاوض إلا بعد تنفيذ شروطها التي تضمنتها وثيقة التفاهم، فانتقل بذلك ترامب من التهديد بسحق ايران وإعادتها للعصر الحجري، الى التهديد بمواصلة الحرب بعد الانتخابات النصفية.

مجمل القول، إن ايران بعد أن امتصت الضربة الموجعة الأولى، وأفشلت تحقيق النصر الأميركي/الإسرائيلي الخاطف، واتبعت سياسية الصبر الاستراتيجي مع الردع، من خلال الحرص أولا على الرد على كل قصف معادٍ بإطلاق الصواريخ والمسيّرات، وعلى الحصار البحري بالقبض على هرمز، وحين اتضح أن تهديدات ترامب بشن الحرب مجددا هي تهديدات فارغة، وأنها لا تخيف ايران، التي كان كل يوم يمر يساعدها في ترميم ما تضرر جراء الحرب، فيما كانت أوساط «البنتاغون» نفسه تفرغ تهديدات ترامب من مضمونها، وهي تتحدث عن نضوب المخزون الاستراتيجي الأميركي من الصواريخ، اقنع ترامب نفسه، بالاعتماد على الحصار البحري، وقد وافقه وزير خزانته بهذا والذي بات يعلن كل يوم على طريقة ترامب، بأن ايران «أفلست» وأنها تنهار بعد إطلاق عملية «المنبوذ الاقتصادي» في آب الماضي، والتي تعتمد في تحقيق هدفها على انصياع دول جوار ايران، وهنا وقفت كل من الصين وروسيا علنا، لتعلن عدم انصياعها، وهذا كافٍ لقطع نصف الطريق على الخطة الأميركية.

انتهت الحرب بالصراع على هرمز، لأن ايران أدركت عبر خمسة عقود من المقاطعة، أن الصمود الذاتي وحده لا يكفي، بل ما يحقق النصر هو أن يتم الرد على الحصار بالحصار، وهكذا تحولت قبضة ايران على هرمز الى عامل ردع للحصار البحري المفروض عليها، الى أن أوصلت برميل النفط الى سعر 120 دولارا، وهو سعر مضاعف عما كان عليه قبل الحرب، وها هي على عتبة الانتخابات النصفية تعرض التفاوض، بعد أن عالجت ترامب على نار الحرب الهادئة.