الانتخابات الإسرائيلية: غالبية ضد السلام
نشر بتاريخ: 2026/10/28 (آخر تحديث: 2026/10/28 الساعة: 17:59)

الانتخابات، التي جرت أمس في إسرائيل، عبّرت عن وضع غريب ومعقد تشهده الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية. فللمرة الأولى ربما لا توجد خلافات جوهرية بين غالبية الأحزاب الصهيونية والدينية المختلفة حول المسائل السياسية المتعلقة بتسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتحقيق السلام. فلا توجد على أجندة أي حزب منها مسألة حل الصراع أو حتى مجرد ذكر حل الدولتين. وحدها الأحزاب العربية خارج هذا الإجماع. حتى حزب «الديمقراطيون» الذي يجمع بين بقايا حزب «العمل» وحركة «ميرتس» وهو الحزب الصهيوني «اليساري» الوحيد، لا يعتقد قادته أن التركيز على الحل السياسي مفيد في هذه المرحلة، وأن الظروف غير مواتية لمجرد الحديث عن الموضوع السياسي الخارجي. والتركيز هو على القضايا الداخلية والأمنية على وجه الخصوص، وعلى شكل وصورة إسرائيل في الخارج بالنظر لتدهور مكانتها الدولية.

الموضوع المركزي في الانتخابات هو الموضوع الأمني، وهناك ما يشبه الإجماع على أن إسرائيل تواجه مخاطر وجودية أظهرها هجوم السابع من أكتوبر. وكان التركيز من قبل المعارضة على مسؤولية نتنياهو في حدوث السابع من أكتوبر وسياسته السابقة تجاه حركة «حماس» التي جرى دعمها والتغاضي عما تقوم به في غزة بما في ذلك تجاهل المعلومات الاستخبارية حول نية «حماس» تنفيذ هجوم واسع ضد إسرائيل بتفاصيل كثيرة أقرب لسيناريو ما حصل في الهجوم الفعلي. بينما حاول نتنياهو أن يبرز انتصاراته على «حماس» و»حزب الله» وإيران. وهناك جدل حول تحقيق الانتصارات فلا توجد ساحة قد حسمت فيها الحرب.

وتُجمع جميع الأحزاب الصهيونية على ضرورة العمل ضد إيران، ولا تختلف حول أهمية التنسيق مع الولايات المتحدة للقضاء على القدرات الإيرانية النووية والصاروخية وعلى الدور الإقليمي لإيران، خاصة الأذرع المختلفة لها في المنطقة. ويختلفون حول التوقيت وحول محاولات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو استثمار الصراع مع إيران لمصلحته الخاصة، حتى أنه حاول على ما يبدو توجيه ضربة لإيران قبل الانتخابات وحصل خلاف بينه وبين رئيس هيئة أركان جيشه، إيال زامير، حول مسألة توجيه ضربة قبل الانتخابات وحتى تجهيز الجيش لتوجيه ضربة الآن حتى لا تفسر من قبل إيران وكأن الهجوم عليها سيحصل فوراً ويدفعها للقيام بضربة استباقية. بل هناك خلاف بينهما على استمرار عملية جيش الاحتلال في الخليل التي استغل فيها نتنياهو العملية التي حصلت، الجمعة الماضي، وقتل فيها جنديان إسرائيليان لتنفيذ عملية إخلاء واسعة للسكان على غرار ما حصل في شمال الضفة الغربية. ومن وجهة نظر الجيش ورئيس الأركان فهذه العملية استنفدت ولم تعد هناك حاجة لاستمرارها.

وهناك خلافات حول سعي نتنياهو لاستكمال ثورته ضد الجهاز القضائي، هذا كان الموضوع المركزي في إسرائيل قبل السابع من أكتوبر وكاد يطيح بنتنياهو وائتلافه الحاكم لولا هجوم السابع من أكتوبر الكارثي. والتناقض الكبير حول هذه المسألة يتعلق بجوهر الدولة هل هي «ديمقراطية» تعتمد على الفصل بين السلطات وتمنح كل سلطة، خاصة القضائية، استقلالية تحكمها القوانين الناظمة للدولة، أم هي سلطة دكتاتورية تتحكم فيها السلطة التنفيذية ومن يفوز بغالبية المقاعد في البرلمان ومن يشكل الحكومة. وهذا التناقض يؤثر بشكل كبير على العلاقة ليس فقط بين اليهود الإسرائيليين في الداخل بل وبين إسرائيل والتجمعات اليهودية في أميركا وأوروبا.

ونظراً لأن هذا المقال كتب قبل إعلان نتائج الانتخابات، فنحن نتوقع أن تكون النتيجة قريبة من استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى عدم قدرة الائتلاف الحاكم أو كتلة المعارضة على الحصول على غالبية مقاعد «الكنيست». فغالبية الاستطلاعات، خاصة الأقرب للموضوعية والتي تحظى بصدقية، تشير إلى أن المعارضة تتقدم بعدد من المقاعد تتراوح بين واحد وخمسة مقاعد، (51-55) مقعداً، مع أن التجربة تقول: إن اليمين يفوز بعدد مقاعد أكثر من التي تتوقعها نتائج الاستطلاعات. ومن المستبعد أن يحقق الائتلاف الحاكم غالبية تؤمّن له تشكيل الحكومة القادمة إلا إذا حصلت مفاجأة غير متوقعة. وتعتمد النتائج على نسبة التصويت، خاصة لدى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وأيضاً على حصول قائمتين صغيرتين جديدتين على نسبة الحسم أم لا. ونتنياهو يقاتل من أجل أن يحصل حزب «الليكود» الذي يقوده على أعلى المقاعد من أجل أن يكلفه رئيس الدولة بتشكيل الحكومة.

الخيارات الممكنة للحكومة فوز المعارضة بأغلبية المقاعد، وتشكيل حكومة جديدة تنهي حياة نتنياهو السياسية. أو نجاح الائتلاف الحاكم في الحصول على الأغلبية واستنساخ الحكومة الحالية، أو فشل الطرفين في الحصول على الأغلبية وتشكيل حكومة وحدة تستثني الصهيونية - الدينية والأحزاب الأصولية، أو تشكيل حكومة من المعارضة بالاستناد إلى دعم الأحزاب العربية على الرغم من صعوبة ذلك لأن هناك أحزاباً في المعارضة ترفض مشاركة الأحزاب العربية، ولكن لا مستحيل في السياسة. وهناك خيار أخير هو إعادة الانتخابات لعدم قدرة أي طرف على تشكيل حكومة. وفي كل الخيارات ربما باستثناء تشكيل حكومة مع العرب، ستكون السياسة الإسرائيلية قائمة على القوة باعتبارها الضمانة الوحيدة للأمن، وعدم التفكير في بديل سياسي جدي على المدى القريب. ولكن حكومة المعارضة ستحدث تغييراً في الشروط الحياتية للفلسطينيين. ففي قطاع غزة غالباً ستذهب نحو تطبيق خطة ترامب، وفي الضفة ستعمل على لجم إرهاب المستوطنين لأنها تعتبر أن سياسة الحكومة الحالية تضر بمصالح إسرائيل. وهي من حيث المبدأ تدعم الاستيطان ولكن دون صخب واستعراض وعنف المستوطنين.