في تصعيد سياسي لافت ضد قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وجّه ستة من أعضاء مجلس اللوردات البريطاني رسالة شديدة اللهجة إلى وزير الخارجية البريطاني، رفضوا فيها المبررات التي ساقتها السلطة الفلسطينية لتأجيل الانتخابات التشريعية حتى سبتمبر/أيلول 2027، محذّرين من أن الاكتفاء بالتعبير عن الأسف لن يؤدي إلا إلى تكريس سياسة التأجيل المتكرر، وإعفاء القيادة الفلسطينية من أي تبعات فعلية.
وطالب أعضاء المجلس، في رسالة مؤرخة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الحكومة البريطانية باتخاذ خطوات مؤثرة إذا لم تتراجع السلطة الفلسطينية عن قرارها، وإبلاغ الرئيس محمود عباس بوضوح أن لندن لا تقبل الحجج المقدّمة لتبرير التأجيل، مع التنسيق مع شركائها الأوروبيين والدوليين لتحديد تبعات ملموسة على العلاقة مع السلطة الفلسطينية.
الظروف الراهنة لا تبرر تعطيل الانتخابات
وأكد الموقعون على الرسالة أن مخاوف الفلسطينيين من تأجيل الانتخابات، التي كان مقررًا إجراؤها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تحققت بالفعل بعد قرار عباس إرجاء الاقتراع إلى سبتمبر/أيلول 2027، مشيرين إلى أن هذه القضية كانت من أكثر الملفات إلحاحًا خلال لقاءاتهم الأخيرة مع ممثلي المجتمع المدني الفلسطيني وشخصيات سياسية، بينهم أعضاء تاريخيون في حركة فتح وأشخاص كانوا يعتزمون خوض الانتخابات.
وشددوا على أن محاوريهم الفلسطينيين عبّروا عن قلق بالغ من تداعيات التأجيل، خصوصًا في ظل تصاعد الاضطرابات في الضفة الغربية، محذرين من أن حرمان الفلسطينيين مجددًا من فرصة اختيار ممثليهم قد يفاقم حالة عدم الاستقرار ويغلق أحد المسارات السلمية المحدودة أمام تجديد القيادة السياسية.
ورحّب أعضاء مجلس اللوردات بالبيان المشترك الصادر عن بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا، الذي دعا السلطة الفلسطينية إلى إعادة النظر في القرار، لكنهم رفضوا أي محاولة لتقديم الظروف الراهنة باعتبارها مبررًا مقبولًا للتأجيل.
وأشاروا إلى أن الاستعدادات الانتخابية كانت قد قطعت شوطًا متقدمًا، وأن انتخابات محلية أُجريت في أنحاء من الضفة الغربية وقطاع غزة في أبريل/نيسان الماضي، في ظروف وصفوها بأنها مماثلة إلى حد بعيد، بما يضعف الحجج المتعلقة بالصعوبات الأمنية والقيود الإسرائيلية.
تكرار سيناريو 2021.. ذرائع تتجدد والانتخابات تغيب
وفي انتقاد مباشر للمبررات المقدّمة لتأجيل الاقتراع، قال الموقعون إن الأسباب المرتبطة بالقيود الإسرائيلية والوضع الأمني تعيد إنتاج الحجج ذاتها التي استُخدمت عام 2021، عندما جرى الاستناد إلى مسألة الانتخابات في القدس الشرقية لتأجيلها إلى أجل غير مسمى.
وحذّروا من أن قبول تصرفات الأطراف الأخرى ذريعةً دائمة لتعطيل الانتخابات الفلسطينية يعني عمليًا إبقاء الاستحقاق الديمقراطي رهينة ظروف يمكن الاحتجاج بها في كل مرة، مؤكدين أن مسؤولية قرار التأجيل تقع على الرئيس محمود عباس، وأن الموقف البريطاني ينبغي أن يعكس هذه الحقيقة بوضوح.
ولفتت الرسالة إلى أن التأجيل الأخير لا يمثل حادثة منفصلة، بل يأتي ضمن مسار ممتد من تعطيل الانتخابات؛ إذ يعود آخر اقتراع تشريعي فلسطيني إلى عام 2006، فيما انتُخب عباس رئيسًا عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، امتدت فعليًا إلى عامها الثاني والعشرين، بعد تأجيل الانتخابات في عامي 2010 و2021.
واعتبر أعضاء مجلس اللوردات أن جيلًا كاملًا من الفلسطينيين لم تتح له فرصة التصويت لاختيار مجلسه التشريعي، وأن استمرار إغلاق صناديق الاقتراع يحرم الفلسطينيين من إحدى أهم الوسائل السلمية لإحداث تغيير سياسي وتجديد مؤسسات الحكم.
«الأسف وحده لا يكفي».. مطالبات بمحاسبة السلطة الفلسطينية
وحمّلت الرسالة المجتمع الدولي جانبًا من مسؤولية استمرار هذا النهج، معتبرة أن الاكتفاء بإصدار بيانات الأسف عقب كل تأجيل، من دون فرض تبعات فعلية، أسهم في ترسيخ واقع تستطيع فيه السلطة الفلسطينية إرجاء التزاماتها الديمقراطية دون تكلفة سياسية ملموسة.
وأكد الموقعون أن بريطانيا تتحمل مسؤولية خاصة في هذا الملف، في ضوء اعترافها بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، وما رافق ذلك من تشديد على أهمية المساءلة الديمقراطية، فضلًا عن مذكرة التفاهم البريطانية الفلسطينية الموقعة في أبريل/نيسان 2025، التي ألزمت السلطة الفلسطينية بإجراء الانتخابات في أقصر إطار زمني ممكن عمليًا.
وحذّروا من أن مرور قرار التأجيل من دون إجراءات عملية سيبعث برسالة إلى رام الله مفادها أن الالتزامات المقدمة إلى الحكومة البريطانية يمكن تأجيل تنفيذها إلى أجل غير مسمى، من دون أي ثمن، وهو ما اعتبروا أنه لا يخدم المصالح البريطانية ولا حقوق الفلسطينيين السياسية.
مطالب بريطانية واضحة ومواعيد ملزمة
ودعا أعضاء مجلس اللوردات الحكومة البريطانية إلى اتخاذ ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع قرار التأجيل؛ أولها إبلاغ الرئيس عباس مباشرة وبوضوح بأن لندن ترفض المبررات المقدمة لتأجيل الانتخابات، وثانيها التنسيق مع شركائها في مجموعة الدول الأوروبية الثلاث «E3» وغيرها من الأطراف الدولية لتحديد تبعات ملموسة على علاقات السلطة الفلسطينية بشركائها إذا استمر القرار.
أما المسار الثالث، فيتمثل في التعامل مع سبتمبر/أيلول 2027 باعتباره موعدًا ثابتًا ونهائيًا لإجراء الانتخابات في حال عدم التراجع عن التأجيل، مع تحديد مراحل إنجاز واضحة ومعلنة يمكن من خلالها قياس التقدم نحو الاستحقاق الانتخابي.
وشدد الموقعون على أنه لا يجوز أن تظل الالتزامات الديمقراطية الفلسطينية معلقة إلى أجل غير مسمى، من دون محاسبة أو تبعات، معتبرين أن المرحلة الحالية تتطلب انتقالًا من بيانات القلق والأسف إلى مواقف عملية تضمن احترام حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.
ضغط دولي يتجاوز البيانات الدبلوماسية
واختتم أعضاء مجلس اللوردات رسالتهم بالتأكيد أن قرارهم توجيه خطاب منفصل وعاجل إلى وزير الخارجية جاء استجابة للإجماع اللافت وقوة المواقف التي لمسوها لدى محاوريهم الفلسطينيين خلال الزيارة، فضلًا عن طلبهم الصريح نقل مخاوفهم إلى الحكومة البريطانية.
وأكدوا مشاركتهم الفلسطينيين القلق من عواقب التأجيل، مشددين على أن الفلسطينيين يستحقون ردًا بريطانيًا يتجاوز التعبير عن الأسف، ويترجم المواقف المعلنة بشأن الديمقراطية والمساءلة إلى خطوات عملية.
ووقّع الرسالة كل من اللورد فروست، والبارونة جيرادا، واللورد مكابي، واللورد مندلسون، واللورد مور أوف إتشينغهام، واللورد بولاك، في موقف يعكس تصاعد الدعوات داخل الأوساط السياسية البريطانية إلى تحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية تعطيل الانتخابات، ومنع تحول التأجيل المتكرر إلى أمر واقع يكرّس أزمة الشرعية السياسية ويطيل أمد غياب التمثيل الديمقراطي.