قد تكون بداية صحوة عربية وإسلامية
نشر بتاريخ: 2026/09/21 (آخر تحديث: 2026/09/21 الساعة: 13:55)

من غير الممكن تحديد تاريخ محدد للاضطراب العميق الذي يضرب منطقة الشرق الأوسط إلا بالعودة إلى الأحداث التي اندلعت في غير مكان، تحت عنوان مضلل أطلق عليه الربيع العربي، بينما يعود الأصل إلى إعلانات كوندوليزا رايس، بشأن الفوضى الخلاقة، التي اشتقت منها الحكومة الإسرائيلية بداية مرحلة الشرق الأوسط الجديد، بما رافق ذلك من خرائط لتحقيق أهداف توسعية تشمل عديد الدول العربية المحيطة بفلسطين.

قبل طوفان الأقصى، كانت السياسة الإسرائيلية تترجم على أرض الضفة الغربية خطوات حثيثة نحو فرض السيادة، دون إعلانات صاخبة وتوسيع المستوطنات وتكثيف الاستيطان، لمحاصرة المدن الفلسطينية وعزل شمالها عن جنوبها.

حملة التطهير العرقي في الضفة سبقت طوفان الأقصى حيث اعتمدت إسرائيل محاصرة وتدمير المخيمات وتهجير سكانها إلى أن أصبح هدف التهجير وإخلاء الضفة من أهلها هدفاً معلناً للسياسة الإسرائيلية اللاحقة.

كانت السياسة الإسرائيلية في الضفة تسير بقدر كبيرة من السلاسة، ودون أن يبدي العالم، بما في ذلك العربي والإسلامي، أي اهتمام عملي يتجاوز إعلانات التحذير والاستنكار والتنديد، إلى أن وقع طوفان الأقصى، الذي وضع القضية الفلسطينية، وما يجري في غزة والضفة على طاولة الاهتمام.

تقوم التحليلات لدى البعض على إدانة طوفان الأقصى ومن بادر إليه، باعتباره، قدّم الذريعة التي انتظرتها إسرائيل لكي تقوم بما قامت به، وكأن إسرائيل ما كانت لتقدم على ما أقدمت عليه لو أن الطوفان لم يحصل.

والحقيقة، أن إسرائيل كانت تقوم فعلاً وعلى الأرض بترجمة مخططات التهجير والفصل العنصري، وأنها كانت ستصل في يوم ليس ببعيد لما قامت به بعد الطوفان، لأن الرهان الإسرائيلي يقوم على استغلال الفترة الرئاسية للرئيس ترامب لكي تنقذ ما لا تستطيع تنفيذه في زمن آخر.

إذا كان للطوفان من فضائل، فإن أبرزها، هو أن كشف على نحو صارخ الهوية الحقيقية لدولة إسرائيل، وإسقاط سرديتها المعتادة التي سوقتها للعالم، باعتبارها دولة ديمقراطية وضحية للكراهية التي تحيط بها من شعوب المنطقة، فضلاً عن أنها تدافع عن الحضارة الغربية التي يستهدفها الإسلام.

لسنا بصدد تقييم شامل للطوفان كحدث تاريخي، أو لمراجعة ما نجم عنه سلباً وإيجاباً، ولكنه كان محطة مفصلية نحو فتح المنطقة على صراع واسع، أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل لتفكيك الكيانات الجيوسياسية العربية والإسلامية، وتحقيق الهيمنة المطلقة على مصادر الطاقة، وأهم الممرات بالنسبة للتجارة الدولية.

الحسابات الخاطئة، التي وقعت فيها الولايات المتحدة التي انجرت وراء الاستخبارات والتوقعات الإسرائيلية، أدت إلى انقلابات في موازين القوة وحسابات قوى الإقليم.

لم تدرك الولايات المتحدة، حجم وطبيعة القوة التي يمتلكها الخصم، كما أنها لم تدرك، حدود القوة التي تملكها، رغم أنها خسرت في حروبها على أفغانستان والعراق وقبلها في فيتنام، وهي التي تملك أقوى قوة اقتصادية وعسكرية على وجه الأرض.

لقد ركب كلٌّ من ترامب ونتنياهو أعلى أمواج الغطرسة والقوة والثقة بالذات إلى الحد الذي تجاوزا خلال حروبهما كل الحدود والخطوط الحمر.

هذا الغرور دفع إسرائيل وليس حكومتها اليمينية المتطرفة فقط، نحو ارتكاب أفظع جرائم العصر، من الحصار والتجويع، والإبادة الجماعية والتهجير، ومصادرة الأراضي والتنكيل بالفلسطينيين، بينما يعتقد نتنياهو وفريقه، أن بإمكانه احتواء ردود الفعل الدولية والعربية وبأن تحقيق الأهداف أهم بكثير من بعض الانتقادات التي قد تصدر عن الآخرين أيّاً كانوا.

والحقيقة، أن نتنياهو والطبقة السياسية الإسرائيلية قد وضعوا المشروع الصهيوني برمته، ودولة إسرائيل وجهاً لوجه أمام محكمة الرأي العام العالمي، الذي تحوّل ويتحول بسرعة عن إيمانه ودعمه للسردية الإسرائيلية التي تهاوت بدماء الفلسطينيين واللبنانيين وعذاباتهم.

الطوفان فتح على حرب ممتدة، لا يستطيع أحد أن يضع لها جدولاً أو تاريخاً محدداً بعد أن أصبحت حرباً إقليمية بآفاق دولية أوسع، تتأثر فيها وتنخرط بها بهذا القدر أو ذاك الصين وروسيا وأوروبا الغربية، وتعكس آثارها على الاقتصاد العالمي برمته.

يوماً بعد آخر، تتجلى مؤشرات الورطة التي أوقع الرئيس الأميركي بلاده فيها، وهو يركض خلف أوهام إسرائيلية، إذ لا يزال نتنياهو يعلن أن إسقاط النظام الإيراني يقف على رأس أهدافه.

بعدما يقرب من سبعة أشهر على الجولة الأخيرة من الحرب على إيران، لا تتضح معالم انتصارات يدعيها كل من ترامب ونتنياهو، فإيران تصمد وخطابها يتزايد قوة وثقة بقدرتها على فرض شروطها على الولايات المتحدة، وهي رغم الحصار المشدد لا تزال تملك القدرة على الصمود ولديها أوراق قوة حقيقية جرى تفعيل بعضها، وبعضها الآخر، يرتبط تفعيلها بإمكانية اندلاع القتال مجدداً.

الحوثيون في اليمن فتحوا جرحاً جديداً كبيراً في جدار الحسابات العربية والإقليمية، وبغض النظر عن المسؤول عن فتح هذا الجرح، فإنه يضيف إلى ورقة هرمز ورقة أخرى لا تقل أهمية في التأثير على إمدادات الطاقة، وتغيير المعادلات.

مؤسف حقاً أن تندلع مثل هذه الصراعات بين الأشقاء العرب الذين كان عليهم المبادرة إلى حلول سلمية وعبر الحوار لمعالجة ملف اليمن الذي تستعصي معالجته بالقوة العسكرية، اليمن معروف تاريخياً، بأنه لم يخضع لأي استعمار خارجي، وأن من حاول وضع قدمه فيه سيخسر قدمه، وربما الكثير من أطرافه، ولعل تجربة التدخل المصري أيام الراحل عبد الناصر لا تزال ماثلة للعيان، وماثلة للعيان تجربة الأميركيين مع الحوثيين، حيث إنهم وقعوا اتفاقاً لوقف الهجمات المتبادلة، حرصاً على قواتهم وبوارجهم المنتشرة في المسطحات المائية المحيطة باليمن.

ثمة لعبة ينبغي الانتباه لها، وهي أن عدم استجابة الرئيس ترامب لطلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بالتدخل عسكرياً، إنما يستهدف إضعاف السعودية، ودفعها لطلب العون من إسرائيل، بثمن الانخراط في اتفاقيات التطبيع، مبدئياً وبعد الكثير من الدروس التي أكدتها التجربة خصوصاً بالنسبة لشراء خدمة الأمن من الأميركان، فإنه لا خيار لدول المنطقة سوى التوافق على أن يكون أمن المنطقة في يد أهلها.