كل الساحات التي تورطت فيها إسرائيل مفتوحة وبعضها مهدد بالاشتعال من جديد
نشر بتاريخ: 2026/09/13 (آخر تحديث: 2026/09/13 الساعة: 18:56)

• إن السنة العبرية الجديدة، 5787، ستكون أيضاً السنة الرابعة للحرب الإقليمية في الشرق الأوسط، التي لا تزال إسرائيل في مركزها. والحرب في صيغتها الحالية، تُدار بدرجة منخفضة نسبياً من الحدة، لكن الساحات التي تشارك فيها إسرائيل لا تزال كلها مفتوحة، ويخيّم فوق عدد منها، ولا سيما إيران، خطر اندلاع جديد.

• أمّا وعود رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المتكررة بتحقيق نصر قريب، والتي تجعله يبدو كأنه تخلّى، مؤخراً على الأقل، عن وهم "النصر المطلق"، فلا تنجح في إخفاء المأزق الاستراتيجي الذي نجد أنفسنا فيه، وإلى حدّ كبير، بسبب قراراته.

• إن أطول حرب في تاريخ إسرائيل، والتي جرت على نحوٍ يناقض تماماً مبادئ العقيدة الأمنية التي صاغها دافيد بن غوريون، خلقت واقعاً أمنياً سيكون من الصعب التعامل معه في المدى الطويل، لكن نتنياهو يصرّ على تحويل نقطة الضعف الأساسية في سياسته إلى مصدر فخر. ووفقاً لتصوُّره، تحولت الحرب التي لا نهاية لها، من خلل إلى ميزة، وأوحى في مقابلات أجريَت معه مؤخراً، عبر منصات إعلامية مؤيدة له، مثل القناة 14، بأنه لا يريد أن تنتهي أصلاً.

• بحسب الصورة التي يرسمها نتنياهو في حملته الانتخابية، لم يكن وضع إسرائيل أفضل ممّا هو عليه اليوم؛ إذ قضت على معظم قادة أعدائها، ووسّعت فعلياً سيطرتها إلى مناطق ما وراء الحدود، وجعلت جميع جيرانها يرتجفون منها، وفي سنة 2019، خلال إحدى الحملات الانتخابية المتتالية آنذاك، أدار حملة بعنوان "دوري مختلف"، ظهر فيها على الملصقات إلى جانب رؤساء قوى كبرى: دونالد ترامب من الولايات المتحدة، وفلاديمير بوتين من روسيا، وناريندرا مودي من الهند؛ أمّا الآن، فحلّت محلّ تلك الملصقات صور من نوع مختلف تماماً: صور لقادة اغتالتهم إسرائيل، أو صور لخلفائهم، الذين يدّعي نتنياهو أنهم جميعاً يخشون فوز حزب الليكود في الانتخابات المقبلة.

• لقد تحدثنا عبر هذه الصفحات في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بعد أكثر من شهر بقليل على هجوم 7 أكتوبر، عن احتمال أن يكون نتنياهو عازماً على إدارة حرب طويلة، أساساً بدافع الحفاظ على بقائه السياسي؛ آنذاك، قوبل ذلك بنفي واسع، وفي مرحلة لاحقة، عندما ضغط عليه الرئيس الأميركي جو بايدن وخلَفه ترامب لإبرام صفقات بشأن الأسرى والسعي لإنهاء الحرب في غزة، أوضح نتنياهو أنه لا يستطيع القيام بذلك لأن شريكَيه السياسيَّين من اليمين المتشدد، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، سيغادران الائتلاف.

• لكن الرجلين بقيا فعلياً في الائتلاف حتى الآن، على الرغم من تصويتهما ضد الاتفاقات، أو امتناعهما من التصويت. وكان بن غفير انسحب لفترة قصيرة في مطلع سنة 2025، ثم عاد إلى الحكومة عندما استؤنف القتال في غزة، ولم يمنعه ذلك، هو وسموتريتش، من التفاخر بإعادة الأسرى. وعندما أُطلق سراح نحو ألفَي أسير فلسطيني في الصفقة الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، في مقابل آخر الأسرى، وهُم 20 أسيراً حياً و28 جثماناً، لم تُنظَّم حتى تظاهرة احتجاج واحدة.

• يبدو كأن نتنياهو أطال أمد الحرب لأسباب سياسية، لكن ليس بالضرورة خوفاً من بن غفير وسموتريتش؛ لقد سمح استمرار القتال له بإظهار صورة من التشدد والمثابرة في الحرب، والحفاظ على حالة طوارئ دائمة في البلد، وتقليص الانشغال اليومي بالأسباب التي أدت إلى هجوم 7 أكتوبر، بينما يُلقي المسؤولية بفاعلية على كبار مسؤولي الجيش والشاباك، فضلاً عن ضخ ميزانيات ضخمة في وزارة الدفاع ولحاجات سياسية أُخرى...

• كان لنتنياهو شركاء في إطالة أمد الحرب من الجانب الآخر أيضاً، إذ رفضت "حماس" وحزب الله الاستسلام، على الرغم من الضربات العسكرية الثقيلة التي تلقّياها. وهناك في هيئة الأركان مَن يرى أن نصراً عسكرياً تحقق فعلياً على الجبهتين؛ أمّا إيران، فأصبحت جزءاً من ساحة الحرب بسبب قرار مشترك اتخذته الولايات المتحدة وإسرائيل في حزيران/يونيو 2025، وهي مواجهة مستمرة حتى اليوم بدرجات متفاوتة من الحدة.

• إن هيئة الأركان مقتنعة بأنه، على الرغم من الظروف المعقدة، فإن الوقت حان لاتخاذ خطوات سياسية تقلّص عدد الساحات التي يغرق فيها الجيش الإسرائيلي، ويبدو كأنه لا مجال للحديث عن ذلك مع نتنياهو، على الأقل حتى الانتخابات في نهاية تشرين الأول/أكتوبر.

• يخرج نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس مرةً كل أسبوعين تقريباً، على غرار دون كيشوت ومرافقه سانشو بانزا، في جولات على الحدود والتقاط الصور مع الجنود على الجبهات. ويفضّل الاثنان المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل في الأعوام الأخيرة؛ فظهور المقاتلين في الخلفية يُعتبر مؤثراً في مقاطع الحملات الانتخابية، واستخدامهم بهذه الطريقة لم يدفع لجنة الانتخابات المركزية إلى التحرك حتى الآن.

• وخلال هذه الجولات، يعِد نتنياهو بأمرَين متناقضَين في الوقت نفسه، بحرب بلا نهاية، لكن أيضاً بحسم قريب؛ فخلال زيارته، هذا الأسبوع، برفقة كاتس، لـ"تاج جبل الشيخ"، الذي كان يُعرف حتى وقت قريب بجبل الشيخ السوري، توقّع رئيس الوزراء سقوط النظام الإيراني قريباً؛ كذلك كتب الصحافي أميت سيغال في مقال مفصّل في صحيفة "يسرائيل هَيوم" أن لحظة انهيار السلطة في طهران "قريبة جداً"، ناقلاً تقديراً من الموساد، مفاده بأن الانهيار ربما يأتي في "الربع الأول من سنة 2027"، لكن تقديرات الجيش الإسرائيلي في هذا الشأن أكثر تشكيكاً وحذراً.

• وبشكل عام، تثير إيران قلقاً كبيراً في الوقت الراهن؛ فالمسعى الأميركي لتوجيه الملاحة في مضيق هرمز، عبر المسار الجنوبي القريب من سواحل عُمان، يوفّر مخرجاً اقتصادياً لجيران إيران في الخليج، في وقتٍ يستمر الحصار الاقتصادي والعقوبات على النظام الإيراني نفسه.

• ويلاحظون في الجيش الإسرائيلي ازدياد الإحباط داخل القيادة في طهران، وهو ما يمكن أن ينعكس قريباً في محاولاتٍ لتصعيد الاحتكاك العسكري بالولايات المتحدة، وربما إعادة إسرائيل إلى دائرة المواجهة. وفي هذه الأثناء، سيطر الحوثيون على مناطق حول مضيق باب المندب، بما يتيح للإيرانيين تهديد حركة الملاحة في اتجاه قناة السويس.

• ويدرك الجيش الثمن الذي يترتب على الاحتفاظ بثلاث مناطق أمنية عازلة. إذ يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على مساحة إضافية تبلغ 1220 كيلومتراً مربعاً، مقارنةً بما كان عليه الوضع عشية 7 أكتوبر، وذلك في ثلاث جبهات: لبنان، وسورية في الجولان وجبل الشيخ، وقطاع غزة، من دون احتساب توسيع المساحات التي تتطلب الحماية في الضفة الغربية.

• ومن المقرر أن تُقام هذا العام وحده 26 مستوطنة جديدة في الضفة، من أصل 104 قررت الحكومة إنشاؤها. وفي الوقت نفسه، أُقيمَ هذا العام 95 بؤرة استيطانية و42 مزرعة استيطانية. وخلال فترة الأعياد، سينتشر في الضفة ما لا يقلّ عن 26 كتيبة؛ كذلك أُنشئت خلال العامين الماضيَين 63 نقطة عسكرية خارج حدود إسرائيل، معظمها في قطاع غزة.

• وارتفع حجم القوات العاملة في حماية الحدود والمناطق المحتلة بنسبة 300%، مقارنةً بما كان عليه قبل هجوم 7 أكتوبر.

• هذا الواقع يفرض على جنود الاحتياط أداء مئة يوم من الخدمة سنوياً، ويُبقي الجنود النظاميين في مهمات عملياتية شبه متواصلة، باستثناء فترات قصيرة وغير كافية للتدريب؛ وأنفقت الدولة، حتى الآن، 420 مليار شيكل على الحرب، في وقتٍ يمكن أن يتوقف الدعم العسكري السنوي الأميركي بعد عامين.

مناورة لهيئة الأركان

• أجرى الجيش الإسرائيلي في بداية الأسبوع، وبتوجيهٍ من رئيس هيئة الأركان إيال زامير، مناورة كبيرة لهيئة الأركان هدفت إلى اختبار سيناريو مواجهة متعددة الجبهات. أُجريَت المناورة بصورة مفاجئة، ولم يكن يعلم بموعدها مسبقاً سوى عدد محدود من الضباط، إلى جانب زامير.

• وكانت السيناريوهات التي جرى التدريب عليها متطرفة: هجوم مباغت من "حماس"، انطلاقاً من قطاع غزة، على الرغم من محدودية قوتها العسكرية، وعمليات تفجير في العمق الإسرائيلي، واحتكاك بإيران وحزب الله، واختيرَ توقيت المناورة، استناداً إلى الاعتقاد أن الدولة والجيش يقفان على أعتاب فترة شديدة الحساسية، وأن التوتر العسكري ربما يتأثر سلباً بالتوتر الداخلي في إسرائيل، قبيل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر.

• ويُعتبر شهرا أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر، تقليدياً، من الفترات التي تكثر فيها التحذيرات في الجيش الإسرائيلي. ووقعت انفجارات وتصعيدات عديدة خلال الأعياد اليهودية. ومن الأمثلة المعروفة، حرب أكتوبر في سنة 1973 وهجوم 7 أكتوبر 2023، لكن الانتفاضة الفلسطينية الثانية اندلعت أيضاً عشية رأس السنة العبرية في سنة 2000؛ وفي بداية تشرين الأول/أكتوبر 2015، بدأت موجة من العمليات الفلسطينية في الضفة الغربية استمرت أكثر من نصف عام.

• يسود التوتر العلاقة ما بين رئيس الحكومة ورئيس هيئة الأركان، ولا سيما بشأن ما يجري في الضفة الغربية، وحتى الآن، لم ينجح زامير في تخليص الجيش من ميله إلى التغاضي عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بل المساعدة فيه أحياناً، وبشكل علني. وحذّر نتنياهو في مناسبات عديدة من احتمال حدوث انفجار في الضفة الغربية.

• ووردت تقارير قبل نحو شهرين، تحدثت عن رسالة أُرسلت لنتنياهو وكاتس وعدد من الوزراء وكبار مسؤولي المؤسسة الأمنية، وقّعها 99 مسؤولاً متقاعداً، من بينهم رئيسا الوزراء السابقان إيهود أولمرت وإيهود باراك، وثلاثة رؤساء أركان سابقين وشخصيات شغلت مناصب مركزية في الأجهزة الأمنية والقضائية...

• عملياً، يسيطر الجيش الإسرائيلي على مساحة أوسع، غربي خط المواقع، حتى الخط الأصفر الذي رُسم في خطة ترامب الخاصة بقطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، بل إنه يتجاوز هذا الخط قليلاً نحو الغرب، وتحتفظ إسرائيل بالسيطرة، أو بالقدرة على السيطرة بالنيران، على نحو 60% من مساحة القطاع، بينما يتكدس أكثر من مليونَي فلسطيني، من المدنيين وعناصر "حماس"، في مخيمات من الخيام ومبانٍ مدمرة جزئياً في المساحة المتبقية.

• وعلى الرغم من المناورة العسكرية التي أُجريَت هذا الأسبوع، فإن الجيش الإسرائيلي يرى أن التهديد العسكري الذي تشكله "حماس" حالياً محدود نسبياً. ويقدّر جهاز الاستخبارات العسكرية أن نحو98 % من مخزون الصواريخ الذي كان لدى "حماس" والجهاد الإسلامي قبل الحرب دُمّر، وأن نحو 80 من الأنفاق والمخابئ في القطاع دُمّر أيضاً.

• وبعد عملية شدّ الحبال مع الإدارة الأميركية وممثلي القيادة المركزية الأميركية المنتشرين في المنطقة، يبدو كأن إسرائيل والولايات المتحدة توصلتا إلى تفاهمات بشأن استخدام القوة في القطاع، وعدا عن الحالات الاستثنائية، لا يتدخل الرئيس ترامب في العمليات الإسرائيلية، ولا يطالب نتنياهو بكبح الجيش. ويزداد اهتمام الولايات المتحدة بحالات مقتل المدنيين، وغالباً خلال عمليات تستهدف قيادات "حماس"، وتطلب من إسرائيل إظهار قدر أكبر من ضبط النفس.

• وفي الوقت نفسه، يحاول الجيش الإسرائيلي تقليل استخدام ذخائر الطائرات المقاتلة من أجل الاحتفاظ بها للساحتين الأكثر أهميةً، إيران ولبنان؛ لذلك يزداد استخدام ذخائر أصغر تُطلق من الطائرات المسيّرة، ويُعدّ هذا أحد أسباب الانخفاض النسبي في عدد الضحايا المدنيين، مقارنةً بعدد المسلحين، في ضربات سلاح الجو خلال الأشهر الأخيرة، إذ بلغت النسبة مؤخراً نحو0.6 مدني قتيل لكلّ مسلح.

• لكن كلّ مَن يتابع ما يجري في غزة من الجانب الإسرائيلي يبقى مشكِّكاً، ويرى أن الجهد الرئيسي لنزع سلاح "حماس"، حتى من الأسلحة الخفيفة التي في حيازتها، سيواجه صعوبة في تحقيق نتائج.

• عندئذ سيكون السؤال عمّا إذا كان الجيش سيشنّ عملية عسكرية جديدة وواسعة ضد "حماس"، على الرغم من الاكتظاظ وظروف الحياة الصعبة للسكان الفلسطينيين في المنطقة المتبقية لهم.

• وحتى ذلك الحين، تواجه المؤسسة العسكرية مشكلتين أساسيتين، وهما: خطر أن تحاول "حماس" شنّ هجوم باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة المفخخة، على غرار ما بدأ حزب الله باستخدامه في الشمال، والحاجة إلى إعادة بناء الثقة مع سكان غلاف غزة، حيث عادت عائلات كثيرة إلى منازلها، فقط مع بداية العام الدراسي، بينما لا تزال الندوب النفسية والجسدية التي خلّفها هجوم 7 أكتوبر واضحة بشدة.