خطاب خليل الحية.. عودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر
نشر بتاريخ: 2026/07/24 (آخر تحديث: 2026/07/25 الساعة: 01:26)

في أول خطاب سياسي له بعد توليه رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس، بدا خليل الحية وكأنه يعيدنا إلى مرحلة ما قبل السابع من أكتوبر، وكأن التحولات الكبرى التي شهدها قطاع غزة، وحجم الدمار والمعاناة التي عاشها الشعب الفلسطيني، لم تفرض مراجعة حقيقية في الخطاب أو في طريقة التفكير السياسي.

وأنا أستمع إلى الخطاب، كنت أنتظر أن أسمع مراجعة صريحة للتجربة، أو اعترافًا بسوء التقدير السياسي والعسكري الذي قاد إلى واقع مأساوي دفع ثمنه الشعب الفلسطيني بأكمله. فالمراجعة ليست انكسارًا، بل مسؤولية سياسية، والاعتراف بالأخطاء هو بداية بناء مسار جديد.

لكن الخطاب ذهب باتجاه مختلف؛ فقد غلبت عليه اللغة العاطفية والوصف الأدبي لمعاناة الشعب الفلسطيني، وكأن استحضار الألم وحده يمكن أن يقدم إجابات عن المستقبل. فالبلاغة لا توقف آلة الحرب، والكلمات مهما كانت مؤثرة لا تحمي شعبنا من مطرقة الاحتلال، ولا تخرجه من سندان الانقسام والفرقة الذي أصبح واقعًا يثقل القضية الفلسطينية ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات.

بدا الخطاب أقرب إلى رسالة داخلية موجهة إلى أبناء حركة حماس وكتائب القسام، أكثر من كونه خطابًا وطنيًا جامعًا يخاطب كل الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم. فقد حضرت الحركة بقوة في الخطاب، بينما غابت الأسئلة المتعلقة بمستقبل غزة، وشكل الإدارة السياسية القادمة، وكيفية إعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني على أسس جديدة.

كما حمل الخطاب رسائل واضحة باتجاه محور إيران وحلفائها، في حين بدا التعامل مع المجتمع الدولي محدودًا، وكأن الحركة ما زالت تخاطب العالم من موقع الخصومة، رغم أن المرحلة الحالية تحتاج إلى مقاربة سياسية أكثر انفتاحًا قادرة على حشد الدعم لإغاثة الشعب الفلسطيني وإعادة إعمار غزة.

المسألة الأهم أن خطاب الحية لم يحمل مؤشرات على تغيير في نهج الحركة، بل أكد الاستمرار في المسار ذاته. وهنا يبرز السؤال: هل يكفي التمسك بالنهج السابق في ظل عالم تغير بعد السابع من أكتوبر؟ وهل تستطيع أي حركة سياسية أن تتجاهل التحولات الإقليمية والدولية التي فرضتها الحرب؟

اليوم تُطرح أفكار ومبادرات حول مستقبل قطاع غزة، من بينها إدارة القطاع عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية، وترتيبات وطنية لمعالجة ملف السلاح من خلال لجنة فلسطينية يتم التوافق عليها برعاية الوسطاء، بهدف الوصول إلى صيغة تفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وإنهاء حالة الصراع المفتوح. لكن خطاب الحية لم يقدم رؤية واضحة تجاه هذه الطروحات، ولم يوضح كيف ستتعامل الحركة مع متطلبات المرحلة المقبلة.

فالمشهد الجديد لا يحتاج فقط إلى الشعارات الكبرى، بل إلى قرارات سياسية صعبة ومسؤولة. لا يمكن الحديث عن تحرير الضفة والقدس، وإعادة إعمار غزة، ورفع الحصار، والحفاظ على المعادلات السابقة، دون الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل الواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي الحالي؟

إن خطاب خليل الحية كان خطابًا عاطفيًا ومحليًا أكثر منه خطابًا سياسيًا استراتيجيًا. فقد استعاد مفردات مرحلة ما قبل السابع من أكتوبر أكثر مما حاول الإجابة عن أسئلة ما بعده.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام حركة حماس وقيادتها: هل ستكون هناك مراجعة سياسية حقيقية تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، أم سيستمر النهج ذاته الذي قد يقود إلى مزيد من العزلة السياسية والتنظيمية؟

فالشعب الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى من يروي وجعه، بل إلى من يقدم له طريقًا للخروج من هذا الوجع.