ما أصعب أن تتحول أمة صنعت التاريخ إلى أمة تستهلك تاريخ غيرها، وأن يصبح الإعجاب بالآخر انبهارًا أعمى يطمس الهوية ويغيب الوعي ويزرع في النفوس شعورًا زائفًا بالدونية. لقد نجحت قوى كثيرة عبر عقود طويلة في إعادة تشكيل العقل العربي، ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر غزو فكري وثقافي جعل كثيرين ينظرون إلى الأجنبي بوصفه النموذج الكامل الذي لا يخطئ، وإلى كل ما هو عربي بوصفه متخلفًا وعاجزًا عن النهوض.
هذه هي أخطر صور "كيّ الوعي"؛ حين يفقد الإنسان ثقته بنفسه، ويبدأ بتقديس الآخر مهما أخطأ، ويزدري ذاته مهما أبدعت. وحين يصبح العربي مستعدًا لتصديق رواية الغريب عن نفسه أكثر من تصديقه لتاريخه وحضارته وإرثه.
لقد كانت الأمة العربية يومًا منارة للعلم والمعرفة. من أرضها خرج العلماء والمفكرون والأطباء والفلاسفة الذين أسهموا في بناء الحضارة الإنسانية. وكانت مدنها مراكز للعلم والترجمة والبحث في زمن كانت فيه أمم كثيرة تعيش عصور الظلام. ولم يكن سر قوتها في الثروة أو العدد فقط، بل في الثقة بالنفس والاعتزاز بالهوية والانتماء.
أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يقيسون قيمة الأشياء بمدى قربها من الأجنبي، لا بمدى جودتها أو فائدتها. وأصبح بعض المثقفين والإعلاميين يروجون لفكرة أن خلاص العرب لا يكون إلا بالتخلي عن خصوصيتهم الثقافية والحضارية، وكأن النهضة لا تتحقق إلا بنسخ الآخرين وتقليدهم.
إن المطلوب ليس معاداة الشعوب الأخرى، ولا رفض الاستفادة من تجاربها الناجحة، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذ بها. لكن الفرق كبير بين التعلم من الآخرين وبين الذوبان فيهم. فالنهضة الحقيقية تبدأ عندما نأخذ العلم والخبرة ونحافظ في الوقت نفسه على هويتنا وكرامتنا وثقتنا بأنفسنا.
أيها العرب، إن أخطر ما تواجهه أمتكم اليوم ليس الفقر ولا الحروب فقط، بل هزيمة الوعي. فالأمة التي تفقد إيمانها بنفسها تصبح سهلة الانقياد، وتتحول إلى مجرد تابع ينتظر من الآخرين أن يحددوا له مستقبله ومصيره. أما الأمة التي تستعيد ثقتها بذاتها فإنها تستطيع أن تنهض من تحت الركام مهما اشتدت عليها المحن.
عودوا إلى أصالتكم، لا لتعيشوا في الماضي، بل لتستلهموا منه القوة. عودوا إلى قيم العلم والعمل والوحدة والتكافل والكرامة. عودوا إلى الإيمان بأن هذه الأمة تملك من الطاقات والعقول والإمكانات ما يجعلها قادرة على صناعة مستقبلها بنفسها.
استفيقوا من لعنة الانبهار بالأجنبي، فالأمم لا تُبنى بالتقليد الأعمى، بل تُبنى بالثقة والوعي والإرادة. وما زالت الأمة العربية قادرة على النهوض إذا أدركت أن أعظم ثروة تملكها ليست النفط ولا المال، بل الإنسان العربي حين يؤمن بنفسه وبأمته ورسالتها الحضارية.