خالد عز الدين… حين يتحول القلم إلى زنزانة مقاومة لا تنكسر
نشر بتاريخ: 2026/06/21 (آخر تحديث: 2026/06/21 الساعة: 21:36)

ليس من السهل أن تُختزل سيرة رجل في كلمات، ولا أن تُقاس قيمة الجهد حين يكون ممتداً بين الجرح والكرامة، بين الذاكرة والنسيان. غير أن تجربة خالد عز الدين، القائم على إعداد الملحق الخاص بالأسرى في فلسطين، تفرض نفسها بوصفها حالة استثنائية في زمن تتآكل فيه المعاني الكبرى، وتُختزل القضايا المصيرية في عناوين عابرة. هنا، لا نتحدث عن مجرد عمل صحفي، بل عن مشروع مقاومة معرفية، وعن جهد دؤوب يُعيد تشكيل الوعي الجمعي تجاه واحدة من أعمق القضايا الإنسانية والسياسية في العصر الحديث.

ولعل ما يُضفي على هذه التجربة بعداً إضافياً، هو أن خالد عز الدين يعمل في سفارة دولة فلسطين بالجزائر، حيث لا يكون الحضور الوظيفي مجرد إطار إداري، بل يتحول إلى امتداد طبيعي للالتزام بالقضية. فالسفارة، في هذا السياق، ليست فقط مؤسسة دبلوماسية، بل فضاءً لإعادة إنتاج الرواية الفلسطينية، وتثبيت حضورها في الوعي العربي، خاصة في بلد كـ الجزائر، التي تحمل في ذاكرتها تجربة ثورية عميقة. ومن هنا، يتداخل الدوران؛ الدبلوماسي والإعلامي، ليشكلا معاً بنية متماسكة لخدمة قضية الأسرى.

لقد أدرك خالد عز الدين مبكراً أن معركة الأسرى ليست فقط داخل الزنازين، بل هي أيضاً خارجها؛ في فضاء السرد، وفي معركة الرواية، وفي القدرة على نقل الألم بوصفه قضية، لا بوصفه خبراً. ومن هذا الوعي، انطلق ليُسهم في إعداد ملحق خاص بالأسرى، لم يكن مجرد مادة إعلامية، بل كان منصة توثيقية، وصرخة أخلاقية، ومرآة تعكس تفاصيل الحياة اليومية خلف القضبان؛ حيث يتحول الزمن إلى عبء، والذاكرة إلى سلاح.

إن ما يميز هذا الجهد ليس فقط حجمه، بل نوعيته وامتداده. فقد تجاوز الحدود الجغرافية، ليجعل من القضية الفلسطينية حاضرة في الصحافة الجزائرية، ومواقعها الإلكترونية، وجرائدها الورقية، بل وامتد صوته إلى الفضاء العربي والفلسطيني، في تفاعل يعكس عمق الانتماء، لا مجرد التضامن. وهنا، يتجلى البعد الاستراتيجي لعمله؛ إذ لم يكتفِ بنقل الخبر، بل اشتغل على إعادة إنتاج المعنى، وعلى تفكيك الصورة النمطية التي تحاول اختزال الأسير في رقم، أو في ملف أمني.

في مقالاته، وتقاريره، وإشرافه التحريري، يظهر الأسير إنساناً كاملاً؛ له اسم، وذاكرة، وعائلة، وحلم مؤجل. يظهر بوصفه فاعلاً في التاريخ، لا مجرد ضحية له. وهذا التحول في السرد ليس تفصيلاً عابراً، بل هو جوهر المعركة؛ لأن من يُسلب منه اسمه، يُسلب منه وجوده، ومن يُستعاد اسمه، يُستعاد معه جزء من حريته. ومن هنا، يمكن فهم لماذا يُعد الملحق الذي يُشرف عليه خالد عز الدين عملاً مقاوماً بامتياز.

غير أن هذا الجهد لم يكن معزولاً عن سياق أوسع؛ إذ يأتي في زمن تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات ممنهجة للتهميش، والتطبيع مع واقع الاحتلال، وإعادة صياغة الأولويات الإقليمية على حساب القضايا العادلة. في هذا السياق، يصبح العمل على ملف الأسرى فعلاً مضاداً للنسيان، ومواجهة صريحة مع منطق التواطؤ الصامت. إن كل مقال يُكتب، وكل شهادة تُوثق، وكل اسم يُستعاد، هو بمثابة كسر لجزء من جدار العزلة الذي يُراد فرضه على الأسرى.

ولعل ما يُحسب لخالد عز الدين أيضاً هو قدرته على الجمع بين الحس المهني والالتزام الأخلاقي؛ فهو لا يسقط في فخ الخطاب العاطفي المجرد، ولا ينزلق إلى جفاف اللغة التقنية. بل يوازن بين السرد والتحليل، بين التوثيق والتأثير، في لغة جزلة، مشحونة بالدلالات، وقادرة على اختراق وعي القارئ، وإعادة تشكيل موقفه. وهذه القدرة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تجربة، ووعي، وإيمان عميق بعدالة القضية.

ثم إن حضوره في الجزائر يحمل دلالة خاصة؛ فهذه الأرض التي خبرت السجون الاستعمارية، ودفعت أثمان الحرية باهظة، تشكل بيئة واعية بقيمة النضال ومعنى الأسر. ومن هنا، يصبح عمل خالد عز الدين جسراً بين تجربتين؛ تجربة الأسرى الفلسطينيين، وتجربة الجزائريين مع السجن والنضال. وهو جسر لا يقوم على التشابه السطحي، بل على وحدة المعنى، ووحدة الألم، ووحدة الأمل.

إن الملحق الخاص بالأسرى، كما يُعده ويشرف عليه، لا يُقرأ فقط بوصفه مادة إعلامية، بل بوصفه أرشيفاً حياً؛ يُحفظ فيه ما يُراد له أن يُنسى، ويُكتب فيه ما يُراد له أن يُمحى. وهو، في هذا المعنى، فعل مقاومة ضد النسيان، وضد التزييف، وضد اختزال الإنسان في معادلات القوة. ولعل أعظم ما في هذا الجهد أنه لا ينتظر اعترافاً، ولا يسعى إلى ضوء، بل يعمل في صمت المثابرين، الذين يدركون أن القيمة الحقيقية لما يفعلون لا تُقاس بالتصفيق، بل بالأثر.

وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتقل فيه المواقف، يبرز اسم خالد عز الدين بوصفه واحداً من أولئك الذين اختاروا أن يكونوا في صف المعنى، لا في صف الضجيج. اختار أن يكون القلم لديه امتداداً للضمير، وأن يكون العمل الصحفي مساحة للالتزام، لا مجرد مهنة. وهنا، تكمن فرادة التجربة؛ لأنها تُعيد تعريف الدور، وتُعيد الاعتبار للكلمة، بوصفها أداة مقاومة، لا مجرد وسيلة تعبير.

هكذا، لا يمكن قراءة ما يقوم به خالد عز الدين إلا بوصفه جزءاً من معركة أكبر؛ معركة على الوعي، وعلى الذاكرة، وعلى الحق في أن يُروى الألم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. وفي هذه المعركة، يثبت أن القلم، حين يُحسن استخدامه، يمكن أن يكون أكثر إيلاماً من السلاسل، وأكثر قدرة على كسرها.