عن الظاهرة الترامبية
نشر بتاريخ: 2026/01/26 (آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 15:59)

هل ترامب مجنون ونرجسي فقط؟ ويتصرف من تلقاء نفسه؟ أم ينفذ إستراتيجية أميركية متأصلة؟

سؤال محير، وأظن أن أي إجابة جاهزة ستكون غير دقيقة، ذلك لأن الظاهرة الترامبية مسألة معقدة ومتداخلة، ولفهمها نحتاج علماء نفس، أما لفهم قراراته المتسارعة يجب معرفة آليات صنع القرار في الولايات المتحدة.

تسود مقولة إن الرئيس الأميركي (تاريخياً) مجرد واجهة سياسية، وينفذ سياسات وإملاءات الدولة العميقة، ويحمي مصالحها.. وفي هذا القول قدر من الصواب، لكنه يقودنا إلى سؤال آخر: ما هي الدولة العميقة؟.

بتعريف مبسط للدولة العميقة؛ هي شبكة غير ظاهرة مكونة من أصحاب النفوذ الاقتصادي والأمني ومراكز القوى داخل البلد، تعمل بشكل موازٍ للحكومة، وتسعى لتوجيه السياسة الداخلية والخارجية للدولة بما يتوافق مع مصالحها، ولتحقيق أجندتها الخاصة، لها جذور في المجتمع وفي بنية الدولة ومؤسساتها، بحيث لا تتغير بتغير الحكومات والرؤساء.

مع أن «الدولة العميقة» ارتبطت بنظريات المؤامرة، لكنها في الحقيقة موجودة لدى أغلب الدول، قد تكون ممثلة بالحزب الحاكم، أو بالقوى الدينية والاجتماعية والاقتصادية، أو بالنخبة البيروقراطية المتحالفة مع الأمن ورأس المال.

في الولايات المتحدة يشترك في صناعة القرار جهات متعددة؛ إدارياً: هنالك البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، والكونغرس، والقضاء.. في المستوى العميق ثمة جهات متعددة تؤثر بقوة، أبرزها: اللوبي اليهودي، رؤساء الأجهزة الأمنية، وقادة الجيش، كبار الأثرياء وأصحاب الصناعات العملاقة خاصة المجمع الصناعي العسكري، والصناعات النفطية، وقطاع المال والبنوك، والصناعات التكنولوجية «وادي السيليكون»، وبقية القطاعات الدوائية والغذائية والصناعات الثقيلة، الإعلام وصناع الرأي العام بما فيهم هوليوود، مراكز الأبحاث، والتيارات المحافظة واليمينية، مثل المسيحية الصهيونية.

سواء كان اسمها الدولة العميقة، أم الدولة الظاهرة والرسمية في الحالتين تلعب كل تلك الجهات أدواراً مهمة وحاسمة في الإستراتيجيات الأميركية داخلياً وخارجياً، ومن السذاجة الاعتقاد بأنها «على قلب رجل واحد» ولديها رؤية واضحة، وتسيّر الدولة ضمن مسار مرسوم بدقة.. من المؤكد أن لتلك الجهات مصالح متضاربة، وبينها تناقضات عميقة، وصراعات خفية، وتنافس شرس، كما أنها لا تهتم بكل القضايا بنفس الدرجة، بعضها يهتم بالشأن الداخلي، وبعضها في السياسة الخارجية.. لكنها تعمل وفق مبدأ «وحدة وصراع الأضداد»، أي أنها متفقة على الأهداف العليا، وتختلف على التفاصيل والمواقيت والفرعيات.. تريد أميركا قوية، ومهيمنة، وتريد إدارة وحكومة تحمي مصالحها.

هذا في العموم، لكن في التفاصيل خفايا كثيرة ومثيرة تصل إلى حد التصفيات وكسر العظم أحياناً.. فمثلاً يُقال إن جهات معينة من الدولة العميقة هي التي قتلت الرئيس كينيدي، وجهات أخرى هي التي افتعلت هجمات منهاتن (9 سبتمبر)، وتفجير ماراثون بوسطن، وغيرها..

من شبه المؤكد أن للدولة العميقة إستراتيجيات بعيدة المدى، لكن يصعب عليها تنفيذها، وتظل تنتظر رئيساً قادراً على حملها، فالدولة العميقة لا تفضل رئيساً مثقفاً، أو من لديه وجهة نظر مختلفة ومستقلة، فإما تقصيه عن الحكم، أو تُفشله في الانتخابات كما حدث مع كارتر وبوش الأب، لأنهما عارضا السياسة الإسرائيلية.. وقد تضع العراقيل أمام توجهات الرئيس التي تتعارض مع مصالحها كما حدث مع برنامج أوباما الخاص بالتأمينات الصحية.

الرئيس ترامب شكّل حالة مثالية لمتطرفي الدولة العميقة، ولأصحاب النفوذ الأكثر توحشاً؛ فهو لا يهتم بتبعات أفعاله الأخلاقية، ولا يعبأ بسمعته الشخصية، وهو متحرر بقدر ما من ضغوط أصحاب المال، وغير مبالٍ بتأثيرات سياساته على العالم، وعلى السلم العالمي، وبنية النظام الدولي القائم على مبادئ حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.. (بصرف النظر عن مدى صدقية هذه المبادئ).. وبالتالي هو الأنسب للبدء بتنفيذ سياسات قديمة ظلت مؤجلة.

وهنا تثور أسئلة: هل فعلاً الولايات المتحدة مهتمة لهذه الدرجة بالاستيلاء على غرينلاند؟ فإذا كان الجواب نعم؛ فلماذا لم يقدم 45 رئيساً سابقاً حتى على التلميح بذلك؟

هل فعلاً من مصلحة الولايات المتحدة خسارة أهم حليف لها (الاتحاد الأوروبي)، بل التصادم معه؟ هل سياسة العقوبات ورفع التعرفة الجمركية على معظم دول العالم تخدم الولايات المتحدة؟

هل ضم كندا وبنما والمكسيك وغيرها كان على برنامج الدولة العميقة، وظلت تؤجل ذلك حتى مجيء ترامب؟ هل من مصلحة الولايات المتحدة التحول إلى إمبراطورية توسعية، على شكل دكتاتورية، وإلغاء كل ميراثها الديمقراطي والليبرالي؟

كثر الحديث مؤخراً عن مبدأ «مونرو» (أميركا للأميركيين)، مع إنه ظهر العام 1823، لكنه كان بمثابة تحذير للدول الأوروبية من التدخل في شؤون الأميركيتين، مقابل تعهد أميركي بعدم التدخل في أوروبا، وما حصل لاحقاً أنه تطور ليشمل حق التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية، وتحولَ إلى غطاء للهيمنة، ولم يكن يعنى احتلال تلك الدول.. ما فعله ترامب في فنزويلا وكندا تجاوز كبير حتى لذلك المبدأ الإمبريالي.

وما يفعله في أوروبا بالتأكيد يتناقض كلياً مع مبادئ ولسون الـ 14 التي أقرتها أميركا سنة 1918، ومع مبدأ ترومان 1947، ومع مبدأ أيزنهاور 1957، ومع مبدأ كارتر 1980، وغيرها التي أرادت تكريس دور أميركا في العالم، من خلال تقديم المساعدات، والتدخل الإيجابي، ودعم المؤسسات الدولية. والأهم أنه يتناقض مع أهم ما يميز المجتمع والنظام الأميركي: الحرية والتعددية.

ليس دقيقاً القول إن الرئيس مجرد واجهة وإنه بلا صلاحيات.. فمثلاً، لو لم يكن بوش مصصماً على خوض حرب الخليج لما وقعت، وحينها سيتخذ مسار الأحداث العالمي اتجاهات أخرى مختلفة.. وسنكون أمام واقع مختلف.. وليس دقيقاً القول إن للولايات المتحدة سياسات ومخططات بعيدة المدى معروفة وواضحة وإنها بمثابة قدر.. لقد تغيرت الاستراتيجات الأميركية مراراً وتكراراً.. متأثرة بعوامل عديدة ومستجيبة لتطورات لم يكن شرطاً محتماً أن تحدث.

يتصرف ترامب كما يحلو له، فهو لا يخضع لمحددات السياسة الأميركية التقليدية، ولا يهتم برقابة القضاء ولا الكونغرس، ولا بالرأي العام الأميركي، بل إنه خاض حملته الانتخابية بشكل معادٍ وسافر للأقليات، والمهاجرين، وللسود، وللمرأة، ولمجتمع الميم، ومناصري البيئة، والمثقفين.. وهؤلاء يشكلون نصف الناخبين!

ترامب نرجسي ومهووس بالظهور الإعلامي وتصرفاته غير متوقعة، والأطباء النفسيون أكدوا أنه مختل، لكن سياساته ماضية حتى بعد رحيله.. إلا إذا صحا العالم، واتخذ موقفاً موحداً لمجابهة جنونه.. وإذا صحا الشعب الأميركي وانتبه لما سيجره عليه وعلى الكوكب من مصائب وكوارث.