يعيش قطاع غزة واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، في ظلّ تداعيات الحرب المدمّرة واستمرار القيود المشدّدة على حركة البضائع والأفراد، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في القطاعات الإنتاجية والتجارية. وفي هذا السياق، جاء قرار اللجنة الوطنية بإلغاء الضرائب والجمارك ليثير تساؤلات جوهرية حول جدواه الاقتصادية، ومدى قدرته على الإسهام في مسار التعافي، أو الاكتفاء بدور تخفيفي محدود في أزمة ذات أبعاد مركّبة.
أولًا: السياق الاقتصادي لما بعد الحرب
تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن اقتصاد غزة شهد تراجعًا غير مسبوق، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسب حادة خلال عام 2025، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية، وتآكل القدرة الشرائية للأسر. كما أسفرت الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية، وتعطّل سلاسل التوريد، عن فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، ما أدخل الاقتصاد في حالة انكماش حاد وطويل الأمد.
ثانيًا: ماهية قرار إلغاء الضرائب والجمارك
يقصد بإلغاء الضرائب والجمارك وقف الرسوم المفروضة على دخول السلع والأنشطة التجارية داخل القطاع، في محاولة لتخفيف الأعباء عن التجار والمستهلكين، والحد من ظاهرة الازدواج الضريبي التي ساهمت سابقًا في رفع تكاليف المعيشة. ويُفترض أن يشكّل هذا القرار أداة تحفيزية قصيرة الأجل في بيئة اقتصادية مختنقة.
ثالثًا: التأثيرات الاقتصادية المتوقعة – قراءة واقعية
1. أثر محتمل على الأسعار دون ضمانات كافية
نظريًا، قد يسهم خفض التكاليف في تراجع أسعار بعض السلع، غير أن غياب الرقابة الفعّالة على الأسواق، وهيمنة عدد محدود من الموردين، قد يحول دون انتقال هذا الأثر إلى المستهلك النهائي.
2. تحفيز جزئي للنشاط التجاري
يساعد القرار على تقليل أعباء الاستيراد وتحريك عجلة التداول التجاري، إلا أن أثره يبقى مرهونًا بقدرة المعابر على العمل بوتيرة مستقرة، وبحجم الطلب المحلي الضعيف نتيجة تراجع مستويات الدخل.
3. محدودية الأثر في غياب إصلاحات مرافقة
لا يعالج إلغاء الضرائب جوهر الأزمة الاقتصادية المتمثل في ضعف الإنتاج المحلي، وانهيار قطاعات الصناعة والزراعة، واستمرار القيود الهيكلية المفروضة على الاقتصاد الغزي.
رابعًا: تحديات بنيوية تقلّص فعالية القرار
استمرار القيود المشدّدة على المعابر وتنظيم دخول السلع
اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على المساعدات الخارجية
تراجع الإيرادات العامة، بما يهدد تمويل الخدمات الأساسية
ضعف القدرة الشرائية وانكماش الطلب المحلي
هشاشة البيئة الاستثمارية وغياب الحماية الكافية للإنتاج المحلي
خامسًا: قراءة نقدية للقرار
على الرغم من البعد الإنساني والاقتصادي الإيجابي للقرار، فإنه يظل إجراءً جزئيًا لا يمكن فصله عن السياسة الاقتصادية الكلية. فغياب رؤية مالية بديلة لتعويض الإيرادات، وعدم ربط القرار بخطط واضحة لدعم الإنتاج وإعادة الإعمار، يحدّ من فعاليته ويجعل أثره مؤقتًا وغير قابل للاستدامة.
التوصيات الاقتصادية (مدخل لصناعة القرار)
ربط إلغاء الضرائب بحزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة
بحيث يكون الإلغاء جزءًا من سياسة تحفيزية شاملة، تشمل دعم الإنتاج المحلي وإعادة تشغيل القطاعات المتضررة.
تعويض الإيرادات المفقودة بآليات بديلة
من خلال دعم دولي مباشر للموازنة التشغيلية، أو اعتماد رسوم رمزية مؤجّلة بعد بدء التعافي، لضمان استدامة الخدمات الأساسية.
تعزيز الرقابة على الأسواق
بما يضمن انعكاس خفض التكاليف على الأسعار النهائية، ويحدّ من الاحتكار والتلاعب السعري.
حماية المنتج المحلي
عبر سياسات تفضيلية مؤقتة للصناعة والزراعة المحلية، لمنع إغراق السوق ببضائع منخفضة السعر تضعف القدرة التنافسية للإنتاج الوطني.
تحسين بيئة المعابر والتنسيق التجاري
لضمان تدفق منتظم للسلع، بما يعزز الاستقرار السعري ويشجع النشاط التجاري.
دمج القرار ضمن خطة إعادة إعمار اقتصادية شاملة
تركّز على خلق فرص عمل، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار المحلي والدولي.
الخلاصة
يمثّل إلغاء الضرائب والجمارك خطوة إيجابية ذات طابع تخفيفي، غير أنه لا يشكّل بحد ذاته بوابة حقيقية للتعافي الاقتصادي في غزة. فالتعافي يتطلب رؤية اقتصادية شاملة، وإصلاحات بنيوية عميقة، ودعمًا دوليًا مستدامًا، إلى جانب تخفيف فعلي للقيود المفروضة على الاقتصاد. وبدون ذلك، سيظل القرار إجراءً محدود الأثر في مواجهة أزمة عميقة ومعقّدة.