النقد والسيادة في مجتمع يخاف من نفسه...!!!
نشر بتاريخ: 2026/01/14 (آخر تحديث: 2026/01/14 الساعة: 12:21)

في غزة، كل يوم تجربة مصغرة لعلم الاجتماع الميداني: حيث الغياب يملأ كل زاوية، وكل لحظة تصطدم بمواقف تعكس العبثية المطلقة... في غزة، كل يوم اختبار جديد لصبرك وعقلك... من سائق يقطع الطريق ليحصل على راكب، ويغلق الشارع كما لو كان حصنًا، وعندما تجرؤ على لفت انتباهه بأن ما يفعله خطأ، تنهال عليك اللعنات والتهكم: "أنت وين عايش؟ وأي نظام تريد؟" وكل نقاش صغير يتحول إلى مسار بلا نهاية، كأنه لعبة من دون قواعد.

وإذا حاولت مواجهة بائع بالغَ في الأسعار واستغل معاناتك، فستجد نفسك محاصرًا بالتوبيخ أو الجدال الذي لا جدوى منه...أما مع النخب أو القادة في زمن الفشل، فلا تنتظر إلا الرفض أو الصمت أو توبيخًا دبلوماسيًا. سنوات وهم يثرثرون علينا بأفكار مهترئة، وأنت لا تستطيع أن تقول كلمة نقد... هنا يكمن اللغز: النقد في مجتمعنا تحول إلى وصمة، وأي اعتراض يُقرأ كخيانة، وكأننا شعب يعيش الخضوع باسم الصمود.

الأستاذ لا يحتمل اعتراض طلابه، الهياكل العشائرية تنهار أمام أسئلة أبنائها، الأحزاب تتشنج من أصغر اعتراض، ومع ذلك نطمح لعالم ديمقراطي، تعددي… أي تعددية؟ تعددية الصامتين والعبيد... جرب النقد هنا، وستكتشف الحقيقة: كل تصويب يُقرأ عداءً، وكل اعتراض وصمة، وكل فكرة مختلفة تهديد وجودي.

في هذا السياق، يصبح النقد السياسي والاجتماعي من أشد الجرائم، لأنه يفضح التناقض بين الشعارات والواقع، بين الطموح والاقتدار، بين المقولات الشكلية عن العدالة والممارسة اليومية للوصم والإقصاء.... ولا عجب إذا ظل مشروع الدولة الديمقراطية حلمًا بعيدًا، طالما أن كل مبادرة إصلاحية، وكل محاولة لتصحيح الخطأ، تصطدم بثقافة تحكمها الهيمنة، الأنانية، والخوف من فقدان السيطرة، فالمجتمع هنا يقدس الأنا ويستعرض شعارات المشاركة والديمقراطية لكنه لا يتحمل دقيقة نقد، هو مجتمع يعيد إنتاج العبودية الجماعية تحت قناع الصمود

الخطأ يُقدس باسم الصمود، والتناقض بين الشعارات والممارسة يولد مأساة سياسية واجتماعية مستمرة. كلنا مشارك في وجعنا، وكلنا سجناء ثقافة الخوف من النقد، ونواصل تبرير الفشل، واللوم على القدر، وكأن الدولة والديمقراطية مشاريع وهمية لا علاقة لها بالواقع. هنا، الصمود يتحول إلى قمع، والخطأ يتحول إلى قانون، والحرية إلى حلم بعيد، والديمقراطية إلى خرافة نصنعها لأنفسنا.

في ثقافتنا، أصبح النقد جريمة، ليس لأنه خاطئ، بل لأنه مرآة تكشف الذات، وتعري السلطة، وتضعك في مواجهة وصم سياسي أو اجتماعي أو ديني... مجتمعنا مبني على الأنا، على الأبهة، على الصور الشكلية عن الحوار والمشاركة والديمقراطية، لكنه يختنق عند أبسط علامات الاعتراض... هنا، تصويب الأخطاء يُقرأ كعداء، والملاحظة الصادقة تُفسر تهديدًا وجوديًا.

إن مأزقنا الأساسي أننا نرغب في الحرية والعدالة، ونسجن أنفسنا في ثقافة الخوف، ونعيد إنتاج الهياكل التي نخشى نقدها، ونُعلي صور الذات على حساب الحقيقة، حتى يتحول كل نقد إلى جريمة، وكل صواب إلى تهديد

هنا تكمن مأساة مشروعنا الوطني: الرغبة في الديمقراطية وسط مجتمع ما زال يخاف من السؤال، ويخشع أمام السلطة، ويحتقر الخطأ الشخصي، لكنه يقدس الكذب الجماعي.

وفي هذا المسرح العبثي، يظل الناس يئنون، والجميع مشارك في وجعهم، لكن لا أحد يبذل جهدًا لتخفيفه. فقط لوم، فقط تبرير، فقط انتظار أن يأتي القدر ليغير ما لا يريد أحد تغييره. وهكذا، يختبئ مجتمعنا وراء الصمود، ويقدس الخطأ، ويخاف الحقيقة، ويعيش في مأساة مستمرة من الخوف والوصم والغباء الجماعي... ثم نتحدث عن الديمقراطية والحرية والعدالة، وكأننا نرسمها على الهواء، بينما كل مداخلاتنا قبلية، وكل ردودنا إقصائية، وكل توقعاتنا لحرية مجتمعنا تصطدم بجدار الذاتية والخوف من الاختلاف...!!!

في ضوء علم الاجتماع، ما يحدث ليس مجرد فوضى سلوكية؛ إنه إنتاج ممنهج للامتثال والخضوع، إعادة إنتاج للبنى التقليدية والسياسية التي تخشى النقد، وتخنق كل محاولة للحرية، وتحوّل كل خطاب رشيد إلى تهديد للسلطة وللذاتية الجماعية. وهكذا، نصنع مجتمعًا يحتفل بالصمت، ويعاقب الفكر، ويقدس العبودية باسم الصمود، ويطمح للديمقراطية بينما يرفض شروطها الأساسية: النقد والمساءلة والاختلاف....!