في وادٍ آخر
نشر بتاريخ: 2026/01/10 (آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 16:24)

لم تعد دولة الاحتلال تطيق حتى الكلمات؛ فاقتحمت نهار الثلاثاء الماضي جامعة بيرزيت، بسبب علمها بوجود مسيرة طلابية تضامناً مع الأسرى، فأي حال هذا الذي وصله ساسة دولة الاحتلال في قيادة المستوطنة العسكرية!

ذلك هو (الطرف الآخر) الذي فاوضناه منذ35 عاماً، الذي يقضّ مضاجع مؤسسته «الأمنية» مسيرة لفتيان جامعة، فتيان لم يتركوا عالم الطفولة بعد؛ فهناك من يزيد فترة الطفولة الى 21 عاماً، وليس الوصول الى 18 عاماً. وبذلك كان مشهد الشباب الصغار وهم يهربون من إرهاب الاحتلال دليلاً على مدى بشاعة الاحتلال، فما الذي سيتعلمه طلبة الجامعة إذاً حين تتعمّق لديهم محاربة الاحتلال حتى للكلمة المتضامنة مع الأسرى؟ إن الطلبة أولاد وبنات تتراوح أعمارهم بين الـ 18 عاماً و22 عاماً، لكن كيف نستغرب من ذلك والاحتلال يهاجم أطفال المدارس؟ بل كيف نستهجن هذا كله بعدما ارتكب الاحتلال جرائم حرب يندى لها جبين الإنسانية، وينأى عنها شرف العسكرية!

قلنا، مع بداية وقف الحرب على غزة، لعل الاعتداءات الاستيطانية تتوقف على شعبنا في الضفة الغربية، لكن لم تقف الحرب فعلاً هناك، بل لبست ثوباً آخر، تتفهم الولايات المتحدة راعية وقف الحرب، وازدادت شراسة هنا، لدرجة أنها وصلت حداً ساخراً تجلى بالسطو والسلب، فلم يسلم لا الحجر، ولا البشر، ولا الشجر، ولا المواشي والأبقار.

هذا هو وجه الاحتلال البغيض الذي يصعب تجميله، والذي يستقوي علينا نحن أبناء فلسطين وبناتها أطفالاً وكباراً، بما يمدّه الحلفاء من مال وسلاح، وما يتجنب فعله الأصدقاء، ويخاف من فعله الأشقاء.

تعرقل دولة الاحتلال الدخول في المرحلة الثانية، بحجج واهية، منها إعادة الجثمان الأخير لأحد الأسرى، ولا نظنّ ان هناك من يرفض تسليمه ان وُجد. إنها فقط عرقلة خبيثة من ساسة دولة احتلال لم تكن جادة أصلاً في استرداد الأسرى الأحياء حين استأنفت الحرب على شعبنا في غزة.

ليس جديداً ما استخلصناه وما استخلصه كل مراقب موضوعيّ، وهو أن عرقلة الانتقال للمرحلة الثانية، إنما لإطالة المرحلة الأولى، لضمان وأد أي مسار سياسيّ نهائي يقود الى دولة فلسطينية؛ فهي منذ بدء التفاوض العربي-الإسرائيلي في مدريد 1991، وهي ترفض الحل النهائي، لذلك فإنها فعلاً لا تريد تسوية نهائية، لإطالة عمر الاحتلال، لكن الذي يغيب عن هذه الدولة، بأن ما يتم تغييبه يحضر بشدة، وأن هذا الفعل غير الحكيم ولا الأخلاقي صار بذور إنهاء الاحتلال.

لا يحتاج الأمر الى المزيد من التحليل، فسقف الاحتلال مرتبط بهدف فصل الضفة والاستفراد بها استيطانياً، وإيجاد إدارة مدنية (عسكرية) لقطاع غزة، تتحكم به سنوات طويلة، لا يكون الهدف إعماراً، بل تهجيراً لشعبه.

هذا هو الطرف الذي نفاوضه، طرف لا يرانا، فلا مشروع وطنيّاً لنا، ولا حق تقرير المصير، إنما حكم عسكريّ مباشر عن بعد، بحيث يتم توريط العالم والأمم المتحدة، لتكون أداة في يده.

من المفروض، بعد طول ذبح لغزة، أن يتم الإعلان عن مجلس السلام حسب القرار الأممي 3803، يتلوه تشكيل إدارة التكنوقراط بهدف انطلاق الإعمار، ولكن بدلاً من ذلك، يطيل الاحتلال الحديث عن السلاح في غزة، كأنه سلاح غير تقليديّ، بالرغم انه لم يتم أصلاً الاتفاق حول هذا الموضوع، والذي يمكن حله بسهولة ان صفت النوايا. بل ان الراعي الأميركي كان متفهماً لذلك، ومال الى التدرج في التعامل مع هذا الموضوع.

لقد وصل الصلف الاحتلالي مبلغاً كبيراً الى حد احتقار العالم كله، حين يكرر يومياً بإمكانية فتح معبر رفح للمغادرين، فعن أية نوايا للمستقبل يتحدث الاحتلال وحليفته غير نية واحدة واضحة جداً، ألا وهي الاستسلام العربي؟ لذلك نحن في واد، والاحتلال في واد آخر.

لكن يبدو أن الولايات المتحدة بقيادة ترامب، لم تكن مهتمة فعلياً بوقف الحرب بشكل نهائيّ على غزة، ولا الوصول الى تسوية سياسية في فلسطين، بل طمعت بعمل اختراق في مجال التطبيع العربي مع دولة الاحتلال.

فلسطينياً، أصبح معروفاً ما علينا فعله، لذلك ليس لنا إلا أن نفعله من وعي على البقاء هنا؛ فالبقاء هو الكيان وهو الدولة: شعب على أرضه، لعله ما وصفه محمود درويش: عشب على حجر!

الآن نقرأ بعمق ما تنبأ به درويش؛ فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة، ومن تجليات الاستحقاق الوجودي نمو العشب الأخضر على الحجارة والصخور. كنت طفلاً قروياً كثير الدهشة وأنا أتأمل نمو العشب والورد البريّ، ومنه النرجس والحنون، على الصخور، فأبحث عن الجذور التي تحيا بدون تراب!

عربياً، فللعرب الأشقاء قراءة مثلنا الشعبيّ «ما بجيب الرطل إلا الرطل ووقية»، فإن أرادوا الفعل، ليحموا أنفسهم وممتلكاتهم، فلا يموتنّ خوفاً، ويبدو أن مقولة عبد الناصر «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة» إنما كانت عزفاً على المثل الشعبي الفلسطيني العربي.

عدت الى مقولة: «لا يفل الحديد إلا الحديد»، فـ «جوجلتها» فإذا هي «للشاعر بكر بن النطاح، من بيت شعر له يصف مواجهة يزيد بن مزيد الشيباني للوليد بن طريف التغلبي، حيث كان كلاهما من بني وائل، ويقول البيت: «وائل بعضهم يقتل بعضًا... لا يفل الحديد إلا الحديد». المثل هو تعبير مجازي عن أن القوة لا تُرد إلا بقوة مماثلة أو أشد».

في التراثين العربي والعالمي، ثمة أمثال جاءت من حكمة الشعوب التي كانت صادقة مع نفسها. ويبدو أن الإنسان ما زال هو نفسه، فيقمع رغبته بالسطو إن وجد من يقاوم سطوه؛ «فالمال السايب يعلم السرقة».

إنه التحدي العربيّ وليس فقط تحدي الشعب الفلسطيني، فما هو حقيقة ان الخلاص العربي واحد؛ فالسلام الحقيقيّ لا يكون بين القوي والضعيف، وهذا ما يعرفه الاحتلال الذي يصرّ على استسلامنا. وهكذا فإن أي تطبيع جديد لن يكون إلا المزيد من الاستسلام، فهل ثمة إغراء للقبول به!