لم يكن مطلقي رصاصة العاصفة جناح حركة فتح العسكري مطلع يناير 1965، يعلمون بأنها ستكون رصاصة تغيير جذري في المشهد الوطني الفلسطيني، أولا والمحيط الإقليمي ثانيا، خاصة بعدما واجهت الأمة العربية واحدة من أكبر نكسات عسكرية يونيو 1967، والتي كانت تنتظر "فرجا" في ظل ما شاع من قوة واستعداد مسبقة.
وبعد معركة الكرامة مارس 1968 التي خاضها "الفدائيون" ببسالة نادرة، أنجب انطلاقة الثورة المعاصرة الثانية، فوجدت ذاتها منارة الشعب الفلسطيني، لتفتح عصرا ثوريا جديدا في العالم العربي والعالم، رسمت وجودها سريعا خاصة بعد اللقاء التاريخي الأول مع الزعيم جمال عبد الناصر، لتبدأ رحلة فعل كفاحي لفي طريق التحدي الفلسطيني، رغم ما شابها من "أحداث" بين عامي 1970 – 1971، التي تستحق مراجعة جذرية وتصويب بعض محطاتها، لعودة التوازن في الوعي السياسي بين الشعبين الأردني والفلسطيني.
وعبر سنوات قصيرة تمكنت الثورة المعاصرة من وضع فلسطين على قائمة الأمم المتحدة نوفمبر 1974 بخطاب القائد الخالد ياسر عرفات، لتصبح عضوا مراقبا، في بعض إنصاف تاريخي لما بعد نكبة 1948، والتي أغرقت الهوية الوطنية في تيه سياسي متعدد المسميات، وأصبح رمز النكبة سلاحا نحو بناء عهد جديد في انطلاقة ثالثة.
وبعد مؤامرة مركبة، استهدفت وجود الثورة الفلسطينية المعاصرة في لبنان يونيو 1982، شاركت بها دولة العدو الاحلالي وبعض أطراف عربية ولبنانية، ودعم مطلق من الولايات المتحدة، ذهبت قيادتها إلى تونس كممر انتقالي نحو تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية فوق أرض فلسطين 4 مايو 1994، بعد توقيع اتفاق المبادئ (أوسلو) سبتمبر 1993 في البيت الأبيض، لتنتقل المعركة من شكل إلى شكل جديد هو الأكثر تعقيدا، وقيمة وطنية في آن.
كان تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية تتويج سياسي لرحلة ثورية كفاحية، كانت قيادتها خارج أرض الوطن، لتبدأ معها رحلة وضع حجر الأساس للكيان الأول في تاريخ شعب كان له كل شيء فعلا سوى غياب وطن له، التي قادها الخالد المؤسس ياسر عرفات من مايو 1994، لتكون الانطلاقة الثورية السياسية الرابعة.
ورغم غياب الخالد ياسر عرفات اغتيالا بيد دولة العدو، وما أصاب الكيانية الأولى من مرحلة سواد سياسي بعد فرض فصيل خطف الوطنية الفلسطينية المعروف إعلاميا باسم حماس، وفعلها الانقسامي فالانقلابي بين يناير 2006 ويونيو 2007، فما حدث عام 2012 من تعديل مكانة الاعتراف الدولي بمكانة فلسطين ونقلها من مصاف منظمة مراقب إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة، وتعزيزه مايو 2024، يمثل انطلاقة ثورية خامسة، نحو تحقيق الحلم الوطني الكبير.
وفجأة تطل واحدة من أخطر المؤامرات على الشعب الفلسطيني بعد النكبة الأولى، يوم 7 أكتوبر 2023، معها دخلت مجمل مكتسبات الانطلاقات الثورية المعاصرة، في نفق سياسي ظلامي عميق جدا، لم تمس بعضا منه، بل طالت جوهر الكيانية التي انتزعت كفاحا كسر جوهر النظرية التلمودية، وأوقف اندفاعة المشروع التهويدي، والذي قدمت لهم الحركة المتأسلمة حفيدة الجماعة الإخوانجية، ما انتظروه سلاحا تدميريا لما كسر عامود فكرهم العدائي للشعب الفلسطيني.
انتكاسة حادة أصابت جوهر الوطنية الفلسطينية بدأت 7 أكتوبر 2023، بعد حرب عدوانية لا سابق لها، من إبادة سكانية وجغرافية لقطاع غزة، وإبادة كيانية في الضفة والقدس، مع ترتيبات إقليمية معاكسة كليا للهدف الوطني الفلسطيني والقومي العربي القديم، ومنح العدو ما لم يكن يعتقد أنه سيكون يوما.
أمام الخطر الكبير الذي لم يعد به مجهولا، تقف حركة فتح حاملة راية الانطلاقة الأولى وقائدة الانطلاقات المتتالية، أمام نقطة فصل جذرية، إما أن تكمل دورها التاريخي نحو انطلاقة وطنية سادسة، لتحمي بقايا كيانية وطنية، من خلال دفع المؤسسة الرسمية نحو فك الارتباط بالمشروع الاحتلالي، وإعلان دولة فلسطين امتدادا لسلطة فلسطينية، أو أنها تنتظر ما لم يعد له انتظار.
حركة فتح، في ذكرى انطلاقتها الأولى، لن يحميها أبدا ما كان لها فعلا تاريخيا، ودورا فاصلا في المسار الوطني، ما لم تذهب نحو انطلاقة كفاحية سياسية جديدة، تحمي بقايا الكيانية وتعيد الاعتبار للمؤسسة الرسمية.
التاريخ السياسي لم يكن يوما جدارا واقيا دون قوة فاعلة، ترسم ما يجب أن يكون مسارا ومستقبلا..دونه يكون بيت العزاء الوطني حاضرا.