في رحاب الذكرى .. ماذا تبقى لنا ..
نشر بتاريخ: 2026/01/01 (آخر تحديث: 2026/01/01 الساعة: 15:22)

معلوم بأنُ الثابت الوحيد في عالمنا هو المتغير .. وذلك يشمل كافة مناحي الحياة وأشكالها، والشعوب أو الكيانات الحية هي التي تواكب هذا التغير وتتكيف معه وتستجيب لمتطلباته كي تحافظ على وجودها وتتطور وتستمر . أما من ينكفئ على ذاته ويبقى أسير لموروثات تقدس أمجاد الماضي دون استخلاص العبر واستلهام روح التجربة بما لها وما عليها فهو حتماً سيظل متخلفاً عن الركب وسوف تتجاوزه عجلة التاريخ والتحولات الكبرى في بنية أي بيئة سياسية، وهذا ينسحب على كافة الأحزاب التي لم تُخضع تجاربها للنقد والمراجعة والتفنيد الذي يستهدف الفكر والممارسة والأدوات، من خلال رؤى نقدية تعالج الواقع وتصوب المسارات.

لم يحدث أن أخضعت حركة فتح تجربتها الممتدة للمراجعة والنقد بهدف تصحيح توجهاتها، فمنذ انطلاقة الثورة المعاصرة لم تولي القيادة أهمية لضرورة تمحيص تلك المسيرة بإنجازاتها وإخفاقاتها، سواء فيما يتعلق بالعمل المسلح أو المقاومة الشعبية أو برنامج التسوية ومسارات التفاوض وإدارة السلطة، ولما كانت تجربتنا الكفاحية قد مرت بمحطات استثنائية غاية في التعقيد نظراً للظروف الذاتية والموضوعية لطبيعة الصراع مع المحتل، كان من البديهي أن تجري قيادة الحركة مراجعات شاملة وجذرية تفحص من خلالها أهدافها و أدبياتها ومنطلقاتها ونظامها وبرنامجها التحرري وأدواتها، وتعيد الإعتبار لأطرها ومؤسساتها، وتستلهم قيم النقد والنقد الذاتي و الديمقراطية وحرية الرأي وروح مدرسة المحبة.

لقد تركت فتح إرثًا عظيمًا في سنوات كفاحها الممتدة، أعادت خلالها الاعتبار للقضية الفلسطينية، على طريق تحقيق أهداف شعبنا عبر استخدام كافة أشكال النضال وتكتيكاته، وقدمت تضحيات جسام في ساحات العمل الثوري المختلفة منذ الطلقة الأولى مرورًا بالكرامة وبيروت والانتفاضة الكبرى وتأسيس نواة الدولة ورفع علمها في المنصات الأممية، ورغم ذلك كله فإن ما علق بثوب الحركة من أخطاء تاريخية تتعلق بممارسات وسلوكيات أضرت بسمعة الحركة ومبادئها جراء ما عصف ببنيتها في كافة مراحل نضالها، يستوجب أكثر من مجرد مراجعات أو استدراكات، فأمام تلك التحولات المذهلة عبر أكثر من نصف قرن أصبح من المُلِح إجراء مسح شامل وشفاف يروي للأجيال تلك المسيرة الحافلة بالإنجازات والبطولات وأيضًا بالأخطاء، لنعرف بموضوعية ( ما الذي تبقى من فتح كفكرة وكوسيلة)، وهل باتت بالفعل قائدة لمشروعنا الوطني كما كانت دومًا عبر قيادتها لمنظمة التحرير؟ وهل لازالت فتح واحة للديمقراطية وبستان للتعدد ومدرسة للمحبة؟ هل سارت القيادة الحالية على درب الثوار الأوائل الذين تمردوا على النكبة، وتحدوا النكسة ليفجروا ثورة المستحيل؟؟

وإن كانت فتح قد عجزت عن تقييم مسيرتها في أدق مراحل المقاومة وأوجها، تحت حجج الظروف ورمزية الراحل الكبير أبو عمار، فإن إجراء تلك المراجعات الآن وبعد ما حل بنا من كارثة نتيجة الحرب على غزة، وبعد سنوات من الانقسام الفتحوي الداخلي والعجز عن إنجاز المصالحة الداخلية والوطنية وأمام ما يمر بقضيتنا من مخاطر التهجير والتصفية والإبادة .. بات أمراً حتمياً لا يقبل التأخير، ولتكن نقطة البدء هي الإسراع في إجراء التحضيرات اللازمة لعقد مؤتمرًا حركيًا توحيديًا لا يستثني ولا يقصي أحدًا، لإقرار توجهات و برامج عمل جديدة وانتخاب قيادة قادرة على استنهاض الحالة الفتحاوية والوطنية على أسس واضحة تأخذ بعين الاعتبار مجمل ما مر بقضيتنا، ولا سيما تداعيات السابع من أكتوبر .. فالتاريخ لا يرحم .. والأجيال لن تغفر ..

#الانطلاقة_61